الثلاثاء, 6 أكتوبر 2026|23 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

تعتزم الحكومة البريطانية إرسال المزيد من المهندسين إلى المدارس للترويج لمهنتهم اللامعة. وسيسيرون على خطا مهندس رسوم الكرتون غريب الأطوار ديلبرت (شخصية كرتونية من اختراع سكوت آدامز)، الذي أخبر مجموعة من الطلاب كانوا يتطلعون إليه باستغراب: "الهندسة هي من أفضل المهن المتوافرة. فخلال العشرين عاماً المقبلة سأكون جالساً في صندوق كبير يدعى كشك العمل. إنه يشبه مكان الوقوف في المرحاض ولكن جدرانه منخفضة". واختتم حديثه قائلاً: "هدف كل مهندس هو التقاعد دون أن يلام على كارثة كبيرة.. وأحياناً تحصل على حلوى مجانية بمجرد قدومك إلى مكان معين".

كما أشار الرسم الكرتوني الذي رسمه سكوت آدامز (عن ديلبرت)، فهناك متناقضات كامنة في الطلب من مهندسين حقيقيين نشر الرسالة التي مفادها "الهندسة أمر رائع". ولكن المحاولة لتلميع صورة الهندسة، وما يقترن بها من تلميع لصورة التصنيع، واجبة التنفيذ منذ أمد بعيد. فكثير من المهنيين لهم سمعة رديئة، بمن فيهم الوسطاء العقاريون والسياسيون والصحافيون. الفرق بينهم هو أن المهندسين يستأهلون الحصول على معاملة أفضل. المهندسون يحققون التقدم حين يصممون هواتف جديدة وطائرات وبرامج جديدة. وتبين فيما بعد أن بيل وإديسون كانا من عظماء الثوريين الاجتماعيين، أكثر من ماركس وإنجلز.

بريطانيا تمتعض احترام أهل التكنولوجيا. خذ مثلاً فرانك ويتل، الذي اخترع المحرك النفاث. في السنة الماضية احتُفل بذكرى إنجازه بنصب تمثال له في إحدى الساحات العامة. وهو موجود في كافنتري. ولكن لا يوجد أي تمثال له في أي شارع من شوارع لندن. يُفهم من ذلك أن بعض الجنرالات المملين ودب خرافي من بيرو يدعى بادنجتون يستحقون تكريماً من أهل بريطانيا يفوق تكريم ويتل. أهل التكنولوجيا ليسوا إلا أبطالاً محليين، شأنهم في ذلك شأن أعضاء المجالس البلدية ولاعبي كرة القدم. ويمكن أن يحتاج الأمر إلى عقود من النضال يقوم به المهندسون الموهوبون حتى يتمكنوا من الحصول على التشريف الذي يتلقاه جهابذة الحكومة لمجرد البقاء في المنصب مدة تكفي لحضور حفلة تقاعد رئيسهم. ولم يتم الاعتراف بإسهام جيمس دايسون في مكافحة الشوائب القطنية التي تتجمع على الأثاث والملابس إلا في عام 2006، حيث منح لقب سير بعد 23 سنة من تصميم المكنسة الكهربائية العالمية. أما حظ تومي فلاروز، الذي صمم كولوسس، وهو جهاز الكمبيوتر الذي ساعد على فك شفرات النازيين، فقد كان أسوأ من ذلك، إذ توفي مغموراً ومليئاً بالمرارة.

يشير فيليب جرينش من الأكاديمية الملكية للمهندسين إلى أن "الشكوى من عدم الحصول على التقدير هي أسوأ سبيل للحصول على التقدير." ولكن حتى اللغة الإنجليزية فإنها متحيزة ضد جماعته، كما يدعي. في فرنسا ربما يكون المهندس متخرجاً من grande école (معهد متخصص للتعليم العالي، وتعني حرفياً "المدرسة العظيمة"). وفي ألمانيا فإن السيد الدكتور المهندس يرفع رأسه عالياً وسط الجراحين والطيارين. أما في بريطانيا فإن المهندس الذي يصمم مسَرِّعات الجسيمات يشترك في لقبه المهني مع الرجل الذي يصلح المراجل الخطرة.

ومن الأمور التي تعمل على تعقيد الوضع أن وسائل الإعلام مليئة بالعدد الكبير فوق الحد من الناس الذين يسعون للبحث عن وظيفة جيدة. وهؤلاء لهم اسم آخر هو ’خريجو كليات العلوم الإنسانية‘. نحن ننظر إلى التكنولوجيا بخوف يتسم بعدم الفهم، مثل الهنود الذين يعيشون في الغابات المطرية حين يرون كاميرات رقمية (أو "سارقو الروح" كما نقول عنهم نحن البريطانيين بيننا وبين أنفسنا). التغطية التلفزيونية للتكنولوجيا قليلة ومتفرقة، باستثناء الموجة الحالية حول المصادم الكبير للجسيمات الثقيلة. والمذيعون إما أنهم من الذين طعنوا في السن – فريق توب جير – أو على شاكلة الأستاذ المجنون، مثل آدم هارت ديفيز. وكما كانت الحال مع الأشخاص الشاذين جنسياً في مسلسلات السبعينيات، فإن الشخصيات النمطية تعري على نحو فاضح تحيز وهوى منتجي البرامج.

وزارة العمل عانت في الماضي التوتر العصبي بسبب الهندسة. فمن وجهة نظر الحملات الدعائية تؤدي الهندسة إلى التصنيع، والتصنيع يؤدي إلى فقدان الوظائف، الذي يؤدي بدوره إلى عدم شعبية الحكومة. ذات مرة دسَّ ألاستير كامبيل في يدي مسودة كلمة لتوني بلير شُطِبت منها جميع الإشارات إلى التصنيع. ومثل المنشقين السوفيات الذين حُوِّلوا إلى شخصيات لا وجود لها، أصبح التصنيع "ليس قطاعاً" بجرة قلم. وبالتالي فإن تقرير الحكومة الأخير، الذي يقر بالأهمية الاستراتيجية للتصنيع في الاقتصاد البريطاني، هو موضع ترحيب.

تعتزم الحكومة إنشاء جهاز يدعى ’بصائر التصنيع‘، يهدف إلى ترويج الحياة المهنية في التصنيع بين الشباب، تماما مثلما أن ’بصائر المشاريع‘ عملت على ترويج شركات المشاريع الناشئة. وستكون هناك إجراءات تهدف إلى اجتذاب خريجي الهندسة إلى مهنة الهندسة المتقدمة في السن. يقول ستيفن رادلي، من منظمة إي. إي. إف EEF، التي تضم أصحاب العمل: "نريد أن نحول بينهم وبين الذهاب إلى الحي المالي في لندن وتصميم المشتقات الاستثمارية التي تعمل على إيقاف وتعطيل الاقتصاد العالمي." ويفترض أن هبوط نسبة التوظيف الآن في الحي المالي ستساعد في هذا الأمر.

اجتذاب الشباب من ذوي المهارات المتوسطة إلى الهندسة ربما يكون تحدياً كبيراً. يقول جون مورتون من مجلس الهندسة والتكنولوجيا: "خلال السنوات الثلاث الماضية كان هناك هبوط مقداره 26 في المائة في دراسة الهندسة بين طلاب التعليم العالي والتكنولوجيا." وبالتالي فإن تصرف المراهقين يعتبر منطقياً حين يتجنبون قطاعاً أنهى خدمات مليون عامل خلال السنوات العشر الماضية لتحسين الإنتاجية. فإذا تم التخلص من أصحاب المهارات المتدنية، فربما يكون أصحاب المهارات المتوسطة هم الرقم الثاني في القائمة.

يقول شريتي فاديرا، وهو أحد وزراء الأعمال: شركات التصنيع ملزمة بأن تجعل التوظيف أكثر جاذبية." كثير من الشركات تعتبر دعاية سيئة لقطاعها. الموظفون العاملون بعقود مؤقتة، أي المواطنون من الدرجة الثانية الذين ينتشرون في قاعة العمل في المصنع، ربما يزيد عددهم على عدد الموظفين الدائمين. ويمكن للتقدم الوظيفي أن يكون بطيئاً. ثقافة العمل التي يخلقها الرجال الذين يتمتعون بموهبة التفكير الرقمي يمكن أن تعمل على تنفير النساء اللواتي يرغبن في العمل بالقدر نفسه من الكفاءة التي تُنَفِّر الناس من رائحة عرق الآخرين وحافظات الشاشة من "لارا كروفت".

ربما يحتاج أرباب العمل إلى إعادة ترتيب الوضع الاجتماعي للمهندسين المتصلبين قبل أن يصبحوا دعاة لمهنتهم. هناك بعض المقررات التدريبية الممتازة. وإذا لم يتيسر ذلك، وإذا كان من الممكن أن يأتي بعض الزائرين، يجدر بالرؤساء أن يقوموا بإغراء المهندسين الذين من طراز ديلبرت للدخول في غرفة مغلقة توجد بها كميات من الحلوى. ولكن يجب منعهم تحت أي ظرف من الظروف من الذهاب إلى المدارس والتحدث إلى الطلاب هناك.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية