الثلاثاء, 21 يوليو 2026|5 صَفَر 1448
الاقتصادية

طوال السنوات الثلاث الماضية، تابعت عن كثب وزير المالية الألماني بشعور متنامٍ من عدم التصديق. فقدان بير شتاينبروك للدبلوماسية أمر لافت للنظر، إلى الحد الذي أصبح فيه الآن أمراً معروفاً لجمهور أوسع نطاقاً. وكان يتحدث هكذا دائماً. ويترك انتقاده "للأنجلو – ساكسون" صدى جيداً للغاية في ألمانيا في الوقت الراهن. لكن في وقت الانتخابات العامة في أيلول (سبتمبر) 2009، ستكون ألمانيا وباقي منطقة اليورو في وسط كساد اقتصادي. وعندئذ سيسأل الشعب لماذا كانت مستشارتهم، ووزير ماليتهم، راضيين عن ذاتيهما بشكل استثنائي للغاية.

بالنظر إلى التدهور الاقتصادي الشديد في الأسابيع القليلة الماضية، كنت أتوقع أنهما بحلول هذا الوقت قد تحركا بالفعل وأقدما على عمل ما، لكنهما ما زالا يتباحثان. وعقدت أنجيلا ميركل، المستشارة الألمانية، قمة محلية في برلين لمناقشة الوضع الاقتصادي. وأتوقع أن تخرج حزمة تحفيز أخرى في نهاية المطاف، في وقت ما من العام المقبل. لكنني أشك في أن تأتي في الوقت المناسب لمساعدة الاقتصاد في 2009.

وبغض النظر عما سيتم تقريره في نهاية المطاف، إلا أنه لن يكون له أي تأثير اقتصادي، ما لم تمر فترة لا بأس بها بعد الانتخابات. وتدخل ألمانيا بناء على ذلك، عام 2009 بحزمة تحفيز إجمالي تعادل 0.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وبعبارة أخرى، دون أي دعم مالي في الأساس. ولأن السياسة النقدية لا تملك جاذبية كبيرة عندما تكون أسواق الإئتمان معطلة، فبالكاد يوجد أي دعم على الإطلاق.

قبل أسبوعين توقعت أن ينكمش الاقتصاد الألماني بنسبة تراوح بين 2 و4 في المائة عام 2009. وما بدا للبعض توقعا غريبا، أصبح الآن عادياً. وفي الأسبوع الماضي توقع معهدان اقتصاديان من أكبر المعاهد الاقتصادية في ألمانيا، تراجعاً في النمو لعام 2009 يبلغ 2 و2.2 في المائة، على التوالي. وقال نوربرت فالتر، كبير الاقتصاديين في دويتشه بانك إن انكماشاً يبلغ 4 في المائة عام 2009 ممكن الحدوث. ويتوقع معهد إيفو أن يستمر الانكماش في 2010.

عليك أن تتوقع أن تصبح جميع هذه التنبؤات أسوأ بشكل تدريجي خلال فصل الشتاء، خصوصا إذا استمرت التجارة العالمية في الانكماش بالمعدلات الحالية. وكان لدى ألمانيا فائض في الحساب الجاري يبلغ 7.6 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي عام 2007. ويعني هذا أن أزمة التجارة العالمية ستضرب ألمانيا بقوة شديدة. والأنباء الاقتصادية الأكثر إثارة للشعور بالصدمة في الأسبوع الماضي هي المتعلقة بانخفاض نسبته 2.2 في المائة، على أساس سنوي، في الصادرات الصينية في تشرين الثاني (نوفمبر)، وهو مؤشر لحجم التجارة العالمية. ولجعل الأمور أسوأ، فإن سعر الصرف الحقيقي الفعال لليورو بدأ في الارتفاع مرة أخرى.

ماذا عن الاستهلاك المحلي الألماني؟ يقول المتفائلون إن من شأن هذا أن يوفر بعض الدعم. وهذا صحيح في الوقت الحاضر، لأن معدل البطالة الإجمالي متدن. وبحلول فصل الربيع المقبل، فإن الصادرات، والاستثمارات، والتوظيف، والاستهلاك، ستنخفض جميعها. ومع ألمانيا ستنخفض بقية منطقة اليورو.

ماذا عن حزمة حافز الاتحاد الأوروبي التي تبلغ 200 مليار دولار، التي تم الاتفاق عليها بشكل مخفف من قبل قادة الاتحاد الأوروبي يوم الجمعة؟ لسوء الحظ، إنها تمرين في العلاقات العامة منذ البداية، وهي مصممة لخداع الناس كي يصدقوا أن الاتحاد الأوروبي يفعل شيئاً في نهاية المطاف. ويشتمل الرقم الرئيسي البالغ 1.5 في المائة على بعض الأموال الجديدة، لكن في معظمها نفقات تم الالتزام بها مسبقاً قبل الأزمة، إضافة إلى ضمانات.

تدعي ميركل الآن أن الحافز الألماني ليس مجرد 12 مليار دولار، وإنما مبلغ مذهل حجمه 32 مليار يورو (47 مليار دولار). وتقدم إيطاليا مثالاً مضحكاً أكثر بشأن حساب الحافز المالي. وأشار تيتو بويري*، أستاذ الاقتصاد في جامعة بوكوني في ميلانو، إلى أن برنامج الحوافز الإيطالي لا يكلف شيئاً، فهو يشتمل على ضرائب أكثر من النفقات.

ويعتبر الحافز الفرنسي الذي تم الإعلان عنه أخيراً حزمة مفيدة من النفقات الهيكلية، التي من شأنها أن ترفع رغم ذلك من النمو المحتمل للبلاد في الأجل الطويل. لكن لسوء الحظ، فإنه ليس حافزاً. فالسياسيون الأوروبيون لا يمكنهم ببساطة أن يدركوا أن الهدف الوحيد لأي حافز يجب أن يكون وقف خطر هبوط اقتصادي محقق. ولا يتعلق الأمر بالجسور، أو القنوات، أو الإصلاحات الهيكلية.

في الأسبوع الماضي، وفي مناظرة نظمتها في بروكسل "فاينانشيال تايمز" و"أصدقاء أوروبا" Friends of Europe، وهي مؤسسة فكرية، قدم البروفيسور أندريه سابير، أستاذ الاقتصاد في جامعة الحرية في بروكسل Université Libre de Bruxelles، ملاحظة ذكية. قال إن علينا ألا نحاول تفادي عام 1929، لأننا فشلنا فعليا، وأفضل ما يمكننا فعله الآن هو تفادي الأعوام 1930، و1931، و1932. ويعتمد نجاحنا أو عدمه، على نوعية استجابتنا السياسة.

بحسب الوتيرة الحالية، فإنني شخصياً أخشى أن الجهود لا تسير على ما يرام. فقد ساهم الجدول الزمني الانتخابي في الولايات المتحدة في تأخير استجابة سياسة فاعلة، وأخشى كذلك من أن يكون الفريق الاقتصادي الجديد للرئيس المنتخب، باراك أوباما، بالغ في التركيز على الحافز المحلي، وبما لا يكفي على مستوى التنسيق العالمي. والأوروبيون والآسيويون في غضون ذلك، راضون عن ذاتهم بشكل لا يصدق. وحتى بوجود حافز أمريكي يبلغ 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، فإنه لا يسحب بشكل عجائبي الاقتصاد العالمي من الركود. وسيركز في الأغلب على استثمارات البنية التحتية المحلية، وليس على الاستهلاك الخاص. وستستمر الأسر الأمريكية في غضون ذلك في تعديل ميزانياتها، الأمر الذي يستغرق بعض الوقت.

لذا، أزمتنا المالية على وشك التحول إلى أزمة سياسة. وسيوجه الناس اللوم ليس إلى المصرفيين فحسب، وإنما إلى السياسيين بشكل متزايد. وأتوقع أن يكون شتاينبروك أحد أولئك السياسيين. ويبدو أنه يستمتع بأزمته حتى الآن. لكن ما عليكم سوى الانتظار بضعة أشهر.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية