الأحد, 26 يوليو 2026|10 صَفَر 1448
الاقتصادية

في غضون الأسابيع القليلة المقبلة، يبدأ اتضاح الأثر بعيد المدى للاضطراب الذي تعيشه أسواق المال العالمية على البنوك الخليجية. وباستثناء البعض منها، تمكنت بنوك المنطقة حتى الآن من تجاهل آثار عمليات خفض قيمة الموجودات التي تسببت في الفوضى التي تعصف بأسواق المال الغربية.

فما زالت البنوك السعودية التي تشكل نحو 40 في المائة من مجمل النشاط المصرفي في منطقة الخليج، في مركز قوي، لأن ستة من 11 بنكاً ذكرت أنها حققت أرباحاً ربعية تزيد على الأرباح التي حققتها في العام الماضي، رغم أثر إعادة تقييم الموجودات. وأعلنت البنوك الخمسة الأخرى عن تراجع دخلها، لكنها ما زالت رابحة. وتتحدث جميع البنوك في الإمارات عن زيادة أرباحها. والشيء نفسه ينطبق على البنوك الكبرى العاملة في دول الخليج الأخرى.

لكن هناك بنوك متضررة. ففي تشرين الأول (أكتوبر)، اضطر البنك المركزي الكويتي إلى التدخل من أجل دعم بنك الخليج بعد أن تخلف أحد عملائه عن الوفاء بالالتزامات المترتبة عليه من عمليات وصفقات تتعلق بالمشتقات. وفي وقت سابق من العام، اضطرت كل من المؤسسة المصرفية العربية وبنك الخليج الدولي إلى السعي لضخ مليار دولار في رأس المال لتغطية خسائر من عمليات تداول وتخفيض في قيمة الموجودات.

وعلى مستوى النظام ككل، قامت البنوك المركزية الخليجية بتوفير السيولة لبنوكها وأصدرت بيانات رسمية تضمن بموجبها الودائع البنكية، وأعلنت قطر عن جاهزية واستعداد الصناديق التي تملكها الدولة لضخ الأموال في البنوك المحلية.

لكن منطقة الخليج لم تتعرض للتغييرات الهيكلية المؤلمة التي تعرضت لها الأسواق الغربية. ففي حين رأت الولايات المتحدة وأوروبا مؤسسات من قبيل ميريل لنتش وفورتيس وHBOS تقع في أيدي شركاء أقوى منها، ظلت البنوك الخليجية الرائدة مستقلة وواصلت تحقيق الأرباح.

لكن ذلك لا يشكل أساساً للرضا عن الذات. ذلك أن سعر النفط الذي يعتبر أهم مؤشر لأداء البنوك في المنطقة انخفض بنسبة تزيد على الثلثين في الأشهر الأربعة الماضية. وما زال متوسط أسعار النفط لعام 2008 عالياً بالنسبة للأعوام الماضية، لكن الأسعار عادت اليوم إلى المستويات التي كانت عليها في 2004. وكان سعر 40 دولاراً للبرميل كافياً للحفاظ على معدل نمو معقول قبل أربع سنوات، لكنه يقل كثيراً عما تقوم الحاجة إليه لدعم الخطط والبرامج الضخمة التي تم طرحها منذ ذلك الوقت.

لقد دفعت أسعار النفط العالية البنوك إلى زيادة سرعة القروض التي تقدمها. وخلال السنوات الثلاث حتى نهاية عام 2007، ارتفع الائتمان المقدم للقطاع الخاص في قطر بنسبة 270 في المائة، وفي الإمارات بنسبة 154 في المائة، وفي الكويت بنسبة 104 في المائة.

واستمر هذا التوجه خلال العام الحالي، فزادت القروض التي قدمتها البنوك القطرية للقطاع الخاص بنسبة 26 في المائة خلال الأشهر السنة الأولى من العام. وزادت البنوك الوطنية الإماراتية محافظها بنسبة 27 في المائة. وارتفع الائتمان المقدم من بنوك التجزئة البحرينية إلى القطاع الخاص بنسبة 33 في المائة في الأشهر التسعة الأولى من العام.

جزء كبير من القروض المستحقة الآن في المنطقة صُرفت في فترة اتسمت بالنمو الاقتصادي المرتفع، والسيولة القوية، والثقة العالية في الشركات. وما لم يحدث ارتفاع عجيب في أسعار النفط، فإن هذه القروض لا بد من خدمتها في بيئة من الانقباض المالي والسيولة التي تكون شحيحة في العادة.

في السنة المقبلة يرجح للبنوك الخليجية أن تواجه على المدى الطويل، وعلى نحو أكبر بكثير من ذي قبل، تحديات حول مستوى القروض، في الوقت الذي يجهَد فيه عملاء البنوك للتكيف مع الظروف الاقتصادية الجديدة.

هل ستتمكن البنوك من النجاة في ظل هذه الأوضاع الجديدة؟ في الوقت الذي تتراجع فيه الأرباح سيكون رأس المال حيوياً، وسيؤمن وقاية لامتصاص الصدمة الناتجة عن تخفيض القيمة الدفترية للموجودات بحسب قيمتها السوقية.

المؤشر الحرج هو مراقبة مقدار رأس المال الموجود في حوزة البنوك الخليجية مقابل قروضها للقطاع الخاص. بتعبير بسيط، يمكن وضع السؤال على النحو التالي: ما النسبة التي يمكن للبنوك أن تشطبها من محافظ القروض الحالية، قبل أن تأخذ القروض المشطوبة في حرق ما لديها من رأسمال وتصبح معسرة؟

بنهاية حزيران (يونيو) 2008 كان رأس المال والاحتياطي الموجود لدى البنوك القطرية يعادل 32 في المائة من قيمة قروضها إلى القطاع الخاص، وكان المعدل الخاص ببنوك التجزئة البحرينية 31 في المائة. وأظهرت البنوك الإماراتية المحلية نسبة تبلغ 25 في المائة، في حين كانت النسبة في البلدان الخليجية الأخرى نحو 20 في المائة من قروضها للقطاع الخاص، المدعومة برأس المال والاحتياطي.

من الواضح أنه لن يتم استنزاف جميع رأس المال لبنك معين، إذا أراد أن يظل مستمراً في الوجود. لكن بمقدور معظم بنوك الخليج شطب قيمة نصف مواردها الرأسمالية الحالية تقريبا، قبل أن تبدأ أجهزة الإنذار في إطلاق النفير.

البنوك السعودية، التي شهدت نمواً متواضعاً في الائتمان أكثر من معظم جيرانها، تبدو في وضع جيد يؤهلها للصمود أمام الهبوط الاقتصادي. لكن بالنسبة للبحرين والإمارات، حيث ظلت البنوك تقرض على نحو نشط حتى منتصف العام الحالي، الآفاق ليست جيدة تماماً.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية