أشرت في المقالة السابقة إلى أهمية ما ورد في نظام الحكم الأساس للمملكة من التركيز والاهتمام بحقوق الإنسان وفقاً لما ورد في الشريعة الإسلامية، وأشرت إلى أن الإسلام هو أعظم وأشمل ميثاق عرفته البشرية للمحافظة التامة ليس على حقوق الإنسان فحسب بل وحقوق الحيوان والشجر والجماد والبيئة (الماء والهواء والتربة)، بجانب إلزام الإنسان بواجباته لأنه لا يمكن فصل الحقوق عن الواجبات، فلا يتم إعطاء حق لمن يستحقه إلا بقيام الطرف الآخر بواجبه لأداء الحقوق المطلوبة، ثم أشرنا إلى ما ورد أيضاً في نظام الحكم عن تكفل الدولة بحق المواطن وأسرته في حالة الطوارئ والمرض والعجز والشيخوخة ودعم نظام الضمان الاجتماعي وتشجيع المؤسسات والأفراد على أعمال البر والخير إلخ .....، والآن مع:
حق الإنسان في العمل
ورد في النظام المذكور في المادة (28) أن الدولة تيسر مجالات العمل لكل قادر عليه، وتسن الأنظمة التي تحمي العامل وصاحب العمل، ولا شك أن الإنسان لا يمكن أن يستغني عن العمل الصالح لأنه مصدر رزقه والوسيلة لبناء شخصيته وكسب المهارات والخبرات والتعرف والاتصال بالمجتمع وتطوير نفسه والتهيؤ للزواج وتكوين أسرة، كما يؤدي العمل إلى حفظ كرامة الإنسان ومنعه من شر البطالة والكسل والخمول وحتى لا يكون عالة على ذويه والمجتمع وحتى لا تجرفه سيول البطالة إلى الأعمال المحظورة أو الممنوعة أو المحرمة وحتى لا يكون ضحية لشياطين الإنس والجن الذين لا يترددون في استدراجه لإرهاب العباد والإفساد في أرض الله الطيبة التي خلقها للأنام، كما أن العمل هو نصيب كل إنسان ومساهمته في التنمية الشاملة للوطن بل للمشاركة أيضاً في التنمية والسلام والأمن في العالم، ويكفي العمل الصالح شرفاً وعزة أن الإسلام اعتبره عبادة لأن أي قول أو عمل يقصد به وجه الله تعالى هو عبادة لأن العبادة ليست حصراً على الأمور الشرعية فقط كأركان الإسلام ولكن السلوك الحسن والكلم الطيب والإنتاج وكل الأفكار والتصرفات الحسنة هي عبادة لله تعالى واتباع للفطرة التي فطر الله الناس عليها، وما دام أن الأعمال والأقوال غير الصالحة مثل الجرائم والمال الحرام والشر والفساد والإضرار بالناس، كل ذلك عصيان لله تعالى وانحراف عن الفطرة واتباع لسبل الشياطين الذين يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويدفعون الناس للظلم والفحشاء والبغي بغير حق ومصيرهم للنار وساءت مصيراً، وقد حث الكتاب والسنة على العمل الصالح ويكفينا أن نذكر مقولة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - للأخوين الناسك المتعبد في المسجد الذي لا عمل له وأخيه المسلم الذي يكد ويعمل وينفق على أخيه الناسك فقال للأخ المسلم العامل إنك أعبد من أخيك! وكان الفاروق يحث المسلمين على الخروج من المساجد بعد أداء الفريضة ليلتمسوا العمل والإنتاج وكان يقول: لا تخربوا علينا ديننا، أما غير القادرين على العمل بسبب الإعاقة والأمراض العقلية والمرضى وغير ذلك فليس عليهم حرج فالدولة والمجتمع يتكفلان بعلاجهم والعناية بهم ليعيشوا حياة سعيدة حتى يتمكنوا من العمل أو يقضي الله أمراً كان مفعولاً، ولكن الأشقياء هم القادرون على العمل لكنهم لا يعملون ويرضون بالبقاء في المنازل عالة على أنفسهم وذويهم والمجتمع! ويجب عليهم عدم اليأس عندما يتكرر على أسماعهم: (لا يوجد شاغر) والحرص على الاستمرار في البحث عن عمل ولو بأجر بسيط في البداية، كما يجب أن يطوروا مؤهلاتهم بالحصول على دورات في الحاسب الآلي واللغة الإنجليزية وما يتطلبه سوق العمل، وهؤلاء العاطلون هم أحق بعدم تركهم في وحل الإهانة وحالة التسمين بل يجب إخراجهم إلى نور كرامة العمل والإنتاج وهذا يعود إلى هداية الله تعالى ثم دور الوالدين والمجتمع وتظل الدولة على عادتها جاهزة للمساندة والعون فيما يخدم المصلحة العامة. وأقترح أن تكون لجنة مشتركة من وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة العمل والجهات ذات العلاقة لدراسة ما يمكن عمله للعاطلين، كما أشار النظام في آخر المادة المذكورة إلى أن الدولة تحمي العامل، وهذا يعني حمايته من تعسف صاحب العمل مثل زيادة ساعات العمل أو تأخير أجره أو عدم تطوير قدراته أو تأخير ترقيته وزيادة مرتبه أو عدم توفير البيئة المناسبة للعمل، أو فصله من العمل بدون حق، وغير ذلك من حقوق العامل، كما وازنت الدولة بين العامل وصاحب العمل، فلا يجوز للعامل أن يتخلف عن عمله إلا بأمر مشروع وألا يضعف إنتاجه أو يكون غير متعاون مع زملائه أو يسبب ضرراً لصاحب العمل فتقف الدولة في صف صاحب العمل ضد العامل ما دام أن صاحب العمل على حق.
وقفة مع القراء
توارى عيد الأضحى خلف حجاب الزمن وهو العيد الكبير الذي يفرح فيه المسلمون بما أفاء الله على حجاج بيته بالقبول والغفران وما مكن من لم يحج بالتلبية والدعاء للحجاج بتسهيل مناسكهم وصيام يوم عرفة وذبح الأضاحي وبذل كل ما يمكن من عمل صالح في العشر الأولى من شهر ذي الحجة وهي أعظم أيام السنة، والأعياد تأتي عقب كل موسم عبادة، فعيد الفطر يأتي عقب رمضان والأضحى بعد الحج، وكذلك صلاة الجمعة تأتي في يوم الجمعة في نهاية الأسبوع ليفرح المسلمون بما عملوه من عمل صالح في ستة الأيام التي خلت فيجتمعون في المساجد وهم في زينتهم ليسمعوا الخطبة ويتواصلوا مع جيرانهم ومعارفهم ويتسامحوا، والأعياد للفرح والأكل والشرب والزينة دون إسراف، وفرصة للتسامح ومساعدة المحتاجين والمحرومين، وزيارة المرضى وتبادل الهدايا وخاصة للأطفال، وإظهار نعمة الله على خلقه، ولا ننسى في أعيادنا إخوة لنا ما زالوا تحت نيّر الاحتلال يعانون الظلم والتعسف والخوف والجوع والمرض والإهانة والاختلاف، نسأل الله أن يُعيد هذه الأيام الطيبة والمسلمون في أحسن حال وأهدأ بال وأن يوحد الله صفوفهم ويقوي شوكتهم ويبعدهم عن الفتن، وفي الحلقة (48) نكمل ما تيسر من مواد ذلك النظام.
