الاثنين, 27 يوليو 2026|11 صَفَر 1448
الاقتصادية

الهوية الحقيقية لهامبتي دامبتي، شخصية الحضانة الإيقاعية الإنجليزية (شخصية خيالية على شكل بيضة سقطت على الأرض ولم تستطع جمع شتات نفسها)، غير معروفة.

هامبتي دامبتي جلس على الحائط

هامبتي دامبتي سقط سقطة مريعة

جميع أحصنة الملك وجميع رجاله

لم يستطيعوا جمع شتات دامبتي معاً مرة أخرى.

يقول البعض إن هامبتي يمثل الملك تشارلز الأول الذي قطع رأسه في عام 1649، ويقول آخرون إنه كان الملك جورج الثالث، الذي عانى من مرض عقلي. وهناك نظرية ثالثة تقول إن هامبتي كان مدفعاً كبيراً استخدم في الحرب الأهلية الإنجليزية.

في الآونة الأخيرة، بدا هامبتي وكأنه تعبير مجازي مناسب للنظام المالي العالمي، الذي سقط، ولا يستطيع العودة بمفرده. وأمضى رجال الملك (ورجال الرئيس) بقيادة هانك بولسون، وزير الخزانة الأمريكية، وعدة مصرفيين مركزيين، هذه الفترة وهم يضخون الأموال فيه بلا جدوى.

بعد انهيار بنك ليمان بروذرز أخيراً، وإنقاذ المجموعة الأمريكية الدولية "أيه آي جي"، شركة التأمين العالمية، لجأ رجال الملك أخيراً إلى هجوم شامل على المشكلة. ويأملون الآن في شراء الأوراق المالية المتعلقة بالقروض العقارية غير السائلة التي تكمن في قلب الفوضى، واستعادة الثقة بالبنوك.

كما أن هامبتي مناسب أيضاً لأن التشتيت يكمن في قلب الأزمة المالية المثيرة الأخيرة– الأسوأ في الأسواق الأمريكية منذ عام 1929. قامت البنوك الاستثمارية وشركات التأمين التي سببت المشكلة في هذا الأمر بأخذها القروض العقارية، وتغليفها أولاً، ومن ثم إعادة تغليفها على شكل أوراق مالية معقدة بشكل غريب، ثم وضع المشتقات على قمتها.

#2#

كانت "أيه. آي. جي." على سبيل المثال، تكتب سندات مقايضات العجز الائتماني، التي تعتبر شكلاً من أشكال المشتقات التي تتيح لإحدى المؤسسات المالية تمرير مخاطر العجز عن سداد السندات إلى مؤسسة مالية أخرى. وباعتها المؤسسة إلى البنوك التي تريد حماية نفسها من العجز عن سداد التزامات الدين المضمونة التي نتجت عن القروض العقارية المقدمة لضعاف الملاءة.

عندما هبطت قيمة سندات مقايضات العجز الائتماني هذه لأن الأسواق توقفت عن الثقة بما كانت عليه قيمتها، اقتربت مجموعة أيه. آي. جي من الإفلاس، وتم إنقاذها من قبل الخزانة الأمريكية.

بعد الإدراك المتأخر، كان من المحتم أن تؤدي هذه الدرجة الغريبة من التعقيد في الأسواق المالية إلى المشاكل، وحذر بعض الأشخاص من أنها سوف تفعل. غير أن زيادة الرهان على التدفقات النقدية والمخاطر كانت تشكل جزءاً متنامياً من الأسواق منذ أيام فيشر بلاك، وميرون شولز، وروبرت ميرتون، وهم ثلاثة أكاديميين أمريكيين، استنبطوا طريقة لتقييم الخيارات عام 1973.

على مر العقود الثلاثة الماضية، أدمنت البنوك وشركات التأمين على التعقيد. وأحد أسباب ذلك هو أنها تميل إلى الاحتمالات التي هي في صالح أولئك الذين يملكون التكنولوجيا. التداول في الأسواق هو بشكل أساسي لعبة يربح فيها أحد الأطراف ما يخسره الطرف الآخر بالضبط، وفيها تملك فرصة مماثلة في الربح أو الخسارة. إلا أن البنوك استطاعت تغيير الاحتمالات باستخدام نماذج حاسوبية يفتقر إليها الآخرون من أجل التداول في التذبذبات، على سبيل المثال.

الأمر الثاني هو أن التمويل المهيكل – ممارسة استخدام التدفقات النقدية من الأسهم والسندات لابتكار أوراق مالية أخرى – كان بمثابة مطلق كبير للأموال. وكل مؤسسة مشتركة في ابتكار وبيع السندات المهيكلة، من البنوك، إلى وكالات التصنيف، إلى شركات التأمين، كانت تحصل على رسم كبير في كل مرة يتم فيها إصدار سندات.

أما الأمر الثالث، فهو أن التعقيد أنتج عائداً. وفي حقبة أسعار الفائدة المتدنية، وجدت صناديق التقاعد، وشركات التأمين، أن من الصعب أن تجني أموالاً كثيرة من السيولة. وبناءً عليه، فإن أية أداة كانت تبدو آمنة، ولكنها دفعت معدل فائدة أعلى من سندات الخزانة، وهو الأمر الذي فعلته الأوراق المالية المدعومة بالقروض العقارية، كانت تجد مشترين جاهزين.

بطبيعة الحال، ومرة أخرى بإدراك متأخر، كانت المشكلة هي أن هذه الأوراق المالية دفعت عائداً أعلى من الورقة المالية المصنفة بدرجة ااا، والسبب تحديداً لأنها كانت معقدة. وتم دفع مبلغ أعلى إلى المستثمرين لكي يحتفظوا بها، لأن فهمها كان صعباً للغاية.

الأمر الأخير والأكثر خطورة هو أن التمويل المهيكل أعطى البنوك والآخرين فرصاً أكثر لاتخاذ "مخاطر تنشأ عن احتمال أن يتحرك استثمار ما أكثر من ثلاثة انحرافات معيارية عن المعدل". وهذه المخاطر عبارة عن استراتيجية تداول أشبه بالتأمين: تكتب إحدى المؤسسات مقايضات أو خيارات تزودها بأقساط منتظمة مقابل اتخاذ مخاطر أن تعجز مؤسسة أخرى عن السداد. وفي معظم الحالات، فإن هذا الأمر ينتج الأرباح، ولكنه يسبب الكوارث في بعض الحالات الأخرى.

هذه كانت سقطة "أيه. آي. جي"، ولدى الحكم بحسب البيانات، فإن الكثير من الشركات المالية الأخرى كانت تفعل ذلك أيضاً. وارتفعت القيمة الوطنية لسندات مقايضات العجز الائتماني في الأسواق العالمية إلى 60 ألف مليار دولار في نهاية العام الماضي، من 15 ألف مليار دولار عام 2005. ولا يعكس هذا الرقم المخاطر الحقيقية التي تتخذها المؤسسات – التي تم تقليلها بتوزيع المخاطر على نطاق أوسع وبوسائل أخرى – ولكنه يبقى رقماً تدمع له العيون.

في اللحظة الراهنة، فإن الأولوية هي جمع هامبتي معاً مرة أخرى. وهذا أمر ممكن، وحتى أنه محتمل، إذا احتفظت الحكومة الأمريكية بالمليارات من الدولارات من الأوراق المالية المدعومة بالقروض العقارية إلى فترة تكفي لتهدئة الأسواق، واستقرار أسعار البيوت، أن تجني الأرباح منها.

رغم أن العجز عن سداد القروض العقارية سبب بشكل واضح خسائر ائتمانية على الكثير من الأوراق المالية، فإن ذلك لا يعني أنها بلا قيمة. ويعني ببساطة أن قيمتها أقل. وإذا تم إعطاؤها الوقت والتحليل الكافيين، فبالإمكان إعادة تقييم هذه السندات وتداولها مرة أخرى.

في الأجل الأطول، فإنها تترك شكوكاً كبيرة بشأن مستقبل التمويل والتنظيم. وأن تكريس المؤسسات المالية نفسها لاكتتاب وبيع الأوراق المالية المعقدة أصبح واضحاً بقوة. وأن التعقيد طريقة مناسبة لجني الأموال، ولكنه يسبب أيضا سحب الأرصدة من البنوك.

كشفت الأزمة عن فجوات في هيكل التنظيم الأمريكي الذي تم استنباطه إلى حد كبير في الثلاثينيات، وأصبح عتيق الطراز. وتقوم هيئات مختلفة بالإشراف والرقابة على البنوك والبنوك الاستثمارية، بينما يتم تنظيم شركات التأمين من قبل الولايات الأمريكية المختلفة.

تتعلق الفجوة التنظيمية الأكبر بالمشتقات التي تباع مباشرة، وهي العقود المتداولة بين البنوك وشركات التأمين التي تكمن في قلب الأزمة المالية. هذه لا تخضع للتنظيم على الإطلاق في الولايات المتحدة منذ أن تم إقصاؤها من إشراف هيئة تداول العقود الآجلة في السلع، وذلك من قبل الحكومة الاتحادية قبل ثماني سنوات.

كان ألان جرينسبان، الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي، مناصراً قوياً لتحرير المشتقات التي تباع بشكل مباشر من التنظيم. وقال للكونجرس إن: "النظراء المهنيين الذين يستخدمون المشتقات التي تباع بشكل مباشر لا يحتاجون إلى إجراءات الحماية التي يحتاجها مستثمرو التجزئة" في العقود الآجلة.

إنه أخطأ الهدف. كان يجب أن يكون تجار المشتقات التي تباع بشكل مباشر على درجة كافية من المعرفة ليستطيعوا الحكم على مخاطر التداول كل منهم مع الآخر، ولكنهم لم يكونوا كذلك في الواقع العملي. وعندما أخفقت "أيه. آي. جي"، لم يكن مساهمو "أيه. آي. جي" فقط هم من عانوا، بل إن البنوك ودافعي الضرائب الأمريكيين عانوا أيضاً.

التنظيم ليس الدواء الشافي. فهناك المزيد من الإشراف على المشتقات التي تباع بشكل مباشر في أوروبا، ونظام متكامل من التنظيم في المملكة المتحدة. ولكن أي منها لم تمنع المشكلات الحادة بين المقرضين في المملكة المتحدة التي أدت إلى قيام مجموعة لويدز تي. إس. بي، عملاق التأمين البريطانية، بإنقاذ بنك إتش. بي. أو. إس في الفترة الأخيرة.

مع ذلك، إذا كانت تعتزم التنظيم في الأساس، فالأجدى بك أن تنفذه على نحو ملائم. فالمؤسسات المالية عانت من الفوضى بسبب التشتيت، ويجب أن يتم توحيد التنظيم أيضاً.

حالما يجمعون هامبتي معاً مرة أخرى، ينبغي على رجال الملك أن يصلحوا أنفسهم.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية