أشعر في بعض الأحيان بالأسف حيال السياسيين. ففي يوم سابق، قام إد ميليباند، الوزير الشاب واللامع للطاقة والمناخ في بريطانيا، بحث المواطنين القلقين على تقوية أعصاب السياسيين في المعركة ضد الاحتباس الحراري. وبتوقيت غريب، أقامت مجموعة من الناشطين في مجال التغير المناخي معسكراً في الوقت المناسب، على مدرج مطار ستانستيد في لندن، الأمر الذي أثار غضب الآلاف من المسافرين جواً الذين تأخروا عن السفر. وبإمكاننا أن نفترض أن ذلك لم يكن نوع العمل الجماهيري الملهم الذي كان الوزير يفكر فيه عندما قال لصحيفة الجارديان إن "الحشد الشعبي" سيعمل على تمكين السياسيين من اتخاذ القرارات الصعبة اللازمة لخلق اقتصاد عالمي متدن في نسبة انبعاث غاز الكربون.
المشكلة، كما قال له المسافرون الغاضبون في ستانستيد، أن الحشد لقضية البيئة أمر لا يتمتع بالشعبية دائماً. ومع حدة الركود، فإنها تصبح أقل شعبية من ذلك. ولأنهم يواجهون تهديد فقدان وظائفهم وبيوتهم، فإن الناخبين لا يميلون إلى القلق بشأن درجات الحرارة بعد نصف قرن من الآن.
إن المقارنات التي في ذهن ميليباند – حملة اجعل الفقر أمراً من الماضي، أو في فترة أبعد من ذلك، مناهضة التمييز العنصري وحركات المساواة – كان من الممكن أن تكون أكثر قوة خلال أوقات الطفرة. فالقيام بأعمال الخير أمر أسهل عندما تشعر بأنك في حالة جيدة. بينما الآن في المقابل، فعلى الأرجح أكثر أن تميل قوة الشعب إلى جانب التأجيل في أفضل الأحوال، والإنكار في أسوئها.
يمكنك أن ترى هذه القوى تعمل في الاتحاد الأوروبي. فلم يكن لدى أوروبا الكثير لتفاخر به خلال السنوات القليلة الماضية، حتى لو قام نيكولا ساركوزي، الرئيس الفرنسي النشط، بإعطائه أخيراً شكلاً في الشؤون العالمية. ورغم ما قيل، فإن الاتحاد الأوروبي كان في خضم حملة لتنظيف الجو.
#2#
وضع قادة الاتحاد الأوروبي هدفاً لتخفيض الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري في دول الاتحاد الأوروبي بنسبة 20 في المائة بحلول عام 2020. وتعهدوا بزيادة كفاءة استهلاك الطاقة بنسبة 20 في المائة، والحصول على نسبة 20 في المائة من الطاقة من مصادر الطاقة المتجددة. ولا بد أن ثمة شيئاً خاصاً يتميز به الرقم 20.
بدا كل ذلك وكأنه تحدياً، لكنه ممكن في وقت الرخاء. ومما لا شك فيه أن الناخبين يقبلون درجة من المعاناة لحماية مستقبل أبنائهم وأحفادهم. وتملك الصناعة السيولة (أو خطوط الائتمان الرخيصة من البنوك) للتكيف.
لم يعد الأمر كذلك. فالشركات الأوروبية المحرومة من التمويل بسبب وجود نظام مصرفي متجمد، والتي تواجه الانهيار في الطلب من جانب المستهلك، تريد من قادة الاتحاد الأوروبي تقليل الحزمة. وكانت إيطاليا وألمانيا تطالب بتصاريح مجانية لشركات التصنيع الخاصة بها ضمن إطار خطة مقايضة منقحة لانبعاثات الغازات خاصة بالاتحاد الأوروبي. وتريد الدول الشيوعية سابقاً تعويضات إضافية لتنظيف محطات توليد الطاقة التي كانت تعمل بالفحم إبان حقبة الاتحاد السوفياتي.
لدى ميليباند خبرته الخاصة من مثل تلك الضغوط، إذ يوجد في بريطانيا أشد إطار قانوني من أية دولة أوروبية للتأكد من أنها تحقق أهدافها. غير أن وزارة المالية، الدائرة الأقوى في وايتهول، تستهزئ علناً "بالبيئة"، على الأخص عندما تهدد بسيطرتها الاحتكارية على الضريبة والإنفاق. وصوتت حديثاً على خطة منطقية للغاية من أجل تركيب عدادات للغاز والكهرباء لتوفير الطاقة في كل منزل كجزء من خطة تحفيز اقتصادية.
يواجه وزير الطاقة البريطاني أيضاً بعض الدعوات الصارمة بشأن ما إذا كان يجب الموافقة على إنشاء محطات طاقة جديدة (وقذرة) تعمل بالفحم. ويقال إن ميول ميليباند مع أولئك الذين يقولون إن جميع التصاريح الجديدة يجب أن تحمل التزاماً لإعادة تجهيز المحطات بتكنولوجيا تجمع غاز الكربون. لكن سُمع أن جوردون براون، رئيس ميليباند، كان يتمتم بأنه كان يبدي اهتماماً كبيراً بانبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، لكن ليس ما يكفي من الاهتمام بأمن الطاقة.
مثل تلك الصراعات محتومة – وتافهة مقابل مهمة الوصول إلى اتفاق عالمي لتقليل الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري إلى مستويات مستدامة. وإذا لم تستطع الدوائر الحكومية البريطانية الاتفاق فيما بينها، فإن الكثيرين سيتساءلون بشأن آمال إقناع الصين والهند لتنظيف صناعاتها؟
قال لي دبلوماسيون أوروبيون إنه سيتم التوصل إلى حل منطقي وسيخرج الاتحاد بأمر يماثل استراتيجية منطقية لتحقيق أهدافه الطموحة. سننتظر ونرى. وفي كافة الأحوال، على القادة أن يعرفوا أن صدقيتهم لدى إدارة باراك أوباما الجديدة في واشنطن ستتمزق إذا لم يتوصلوا إلى أية صفقة.
إن الجدال كشف المشكلة الأوسع نطاقاً. وبقدر ما أتعاطف شخصياً مع الاقتراح بأن قوة الشعب ستكون أساسية في الجهود من أجل إبطاء، وفي نهاية المطاف، وقف الاحتباس الحراري، إلا أن الحكومات لن تسمح لحجة التغير المناخي بأن تتأطر سواء بالمصلحة الذاتية للشركات، أو بالنوايا الحسنة للناشطين.
إن منظمي الحملات من الشباب في ستانستيد لديهم وجهة نظر. وثمة أمر غريب بشأن الالتزامات المزدوجة للحكومة البريطانية لتخفيض انبعاثات الكربون، والترويج للتوسع المتهور لمطارات لندن العديدة. لكن مثل معظم تلك المجموعات، يبدو أن المحتجين معنيون فقط بالتضحية.
وفي إطار هذه العقلية يتطلب إنقاذ الكوكب أن يتخلى الناس عن إجازاتهم، وعن سياراتهم، وأن يطفئوا التدفئة، وأن ينظفوا أسنانهم في العتمة. ومن خلال هذا المنظور، فإن المعاناة فضيلة، ويتحول وقف الاحتباس الحراري إلى هجوم أوسع نطاقاً على الاستهلاكية، والمادية، وفي أقصى الأحوال، إلى أي شيء يضرب الأسواق.
وبغض النظر عن النوايا، مثل ذلك الحماس مصيره الفشل. جلد الذات لا يجدي. وإذا كان ينظر إلى إبقاء الكوكب رائعاً على أنه مشروع الطبقة الوسطى الثرية المحبة لعمل الخير، فإن الجماهير ستحتشد ضد ذلك.
يجب تأطير القضية وكأنها فرصة، وليس عبئاً. والابتكار التكنولوجي – في تصميم السيارات، وكفاءة استهلاك الطاقة، والطاقة المتجددة، وباقي الأمور – تبدو أكثر وكأنها إضافة مفيدة لأسلوب الحياة الصارم المتدني في نسبة الكربون. إن تقليل تراكم غاز ثاني أكسيد الكربون يشكل عماداً مهماً لأية خطة. ولنقل بصراحة، ما لم نجد طريقة لجمع الانبعاثات من محطات الطاقة التي تعمل بالفحم، فإن اللعبة ستكون خاسرة.
يجب أن يكون رد السياسيين هو تسليط الضوء على الفرص: في قطاع العمل، والوظائف، والتقدم التكنولوجي في الاقتصادات الغنية، وفي رعاية الأمن في المناطق الأكثر فقراً، وفي إلزام القوى الناهضة بنظام دولي عادل.
يطرح أوباما الحجة القائلة إن الإسراف على نحو أقل في استهلاك البنزين سيعزز أمن أمريكا، بتقليل اعتمادها على أنظمة أجنبية غير موثوقة، أو عدائية. وإلقاء نظرة باتجاه موسكو يجب أن يحمل الرسالة ذاتها بالنسبة للأوروبيين.
وبدلاً من الحديث عن تكلفة تنفيذ أمر ما، من الأفضل أن يؤكد القادة على تكلفة عدم القيام بأي أمر على الإطلاق. وبطبيعة الحال، التغير باتجاه اقتصاد متدني الكربون لن يكون بلا معاناة على الإطلاق. وكذلك الاحتباس الحراري. والطريقة لحشد الجماهير هي إعادة تغيير الحجة. وتوفير الفرص أفضل بكثير من جلد الذات.


