الجمعة, 16 أكتوبر 2026|4 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

مقدمة

أخفق حتى أشد المتوقعين تباطؤاً حتى الأكثر تشاؤماً، في توقع القوة الكاملة للشح الائتماني، غير أن عدداً قليلاً من المرشدين الموجهين يحصلون على الثناء بسبب اكتشافهم نواحي معينة لما سوف يحدث هذا العام

كان عاماً سيئاً للمتنبئين الاقتصاديين. سيء للغاية بحيث أن الملكة تريد أن تعرف ما هو الخطأ الذي حدث. وسألت الملكة إليزابيث، ملكة بريطانيا، خلال زيارة قامت بها في الآونة الأخيرة إلى كلية لندن للاقتصاد قائلة: "لماذا لم يتوقع أي أحد حدوث ذلك؟".

أشعل السؤال الذي طرحته الملكة سلسلة من المزاعم السخيفة حول تبصَّر المتنبئين المختلفين.

قالت إحدى النشرات الصحيفة التي تم نشرها أخيراً، موردة حديث صرح به أفنش بيرسود في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2002 : "رغم أن المصرفيين بشهاداتهم الممتازة من الماجستير في إدارة الأعمال يبدون وكأنهم مصعوقون بسبب الأزمة المالية، إلا أن الحضور المنتظم إلى المحاضرات العامة المجانية التي يتم إلقاؤها في كلية جريشام بوسط لندن، ليسوا كذلك". غير أن المحاضرة مخيبة للآمال مثلما أن المزاعم مضخمة. وكان استنتاج الأستاذ بيرسود كالتالي: "رغم حالات الإفلاس القياسية للشركات، والاقتصادات الضعيفة، وانهيار الأسواق، إلا أن البنوك بشكل عام آمنة".

قام جيوليو تريمونتي، وزير مالية إيطاليا، برفع معيار التوقع في الأسبوع الماضي عندما قال إن البابا بنديكت السادس عشر كان أول من توقع الأزمة. وبين بحث يعود إلى عام 1985، وفقاً لما قال تريمونتي: "التوقع بأن أي اقتصاد غير منظم سوف ينهار بسبب قوانينه الخاصة".

كان الأمر الأقرب إلى الحقيقة هو التقييم الممل للغاية الذي أورده تشارلي بين، نائب محافظ بنك إنجلترا الذي أشار إلى أن عناصر الاقتصاد العالمي أزعجت كثيرا من الاقتصاديين وصانعي السياسة لفترة طويلة. وقال في هذا الصدد: "كنا نعرف أنها لم تكن مستدامة، وكنا قلقين من احتمال أن يكون التفكك غير منظم، رغم أنني لا أعتقد أن أي شخص كان بإمكانه أن يخمَّن المسار الذي كانت الأحداث ستتخذه في واقع الأمر".

مما لا شك فيه أن أزمة الائتمان التي تحولت إلى ركود في شتى أرجاء الاقتصادات المتقدمة، تترك معظم المتنبئين الاقتصاديين بتعبيرات سلبية على وجوهم المتجهمة. ولكن صانعي السياسة أيضاً، لديهم أسباب للتجهم.

في جلسة مجلس الشيوخ الخاصة لمناقشة ترشيحه لمنصبه عام 2005، قال بن برنانكي، رئيس الاحتياطي الفيدرالي، إن النظام المالي الأمريكي استفاد فعلياً من سلسلة من الأزمات التي عززت قدرته على التأقلم مع الأوقات الصعبة. وقال: "إن أعماق الأسواق المالية، وسيولتها، ومرونتها، زادت إلى حد كبير".

واجه صانعو السياسة في أوروبا مشكلات مماثلة في توقع الأحداث. وقال جان كلود تريشت، رئيس البنك المركزي الأوروبي، لأربع صحف وذلك في منتصف شهر تموز (يوليو): "المشهد الرئيس الخاص بنا هو أنه سيكون لدينا تحول على صورة نمو في منطقة اليورو في الربع الثاني والثالث من هذا العام، وتتبع ذلك عودة تدريجية إلى النمو المعتدل المستمر". وبدلاً من ذلك، تبدأ أوروبا في أكبر حالة ركود لها منذ أوائل التسعينيات.

لم يتوقع مارفين كينج، محافظ بنك إنجلترا، الانكماش البغيض الذي تواجهه بريطانيا. وفي شهر أيار (مايو)، أصر قائلاً: "من المحتمل للغاية أن نواجه في مرحلة ما، ربعاً أو ربعين من النمو السلبي المتناقض. غير أن الركود لا يمثل التوقع الرئيس على الإطلاق".

أما المؤسسات الدولية، الأمل الكبير الجديد لقادة العالم التي تقدم تحذيراً مبكراً بشان المشكلات المستقبلية، فإنها مخطئة بالمثل. وأبدى التوقع الذي قدمه صندوق النقد الدولي في ربيع 2007 إعجاباً كبيراً بنجاح الاقتصاد العالمي. وردد تقرير التوقعات الاقتصادية العالمية في النص الذي أشرف عليه سايمون جونسون، الذي كان عندئذ في منصب كبير الاقتصاديين: "تبدو المخاطر الكلية للتوقع أقل تهديداً مما كانت عليه قبل ستة أشهر".

كان المستوى سيئاً بالمثل بين الاقتصاديين المستقلين. أما التوقعات بشأن النمو التي تراكمت كل شهر من قبل الاستطلاعات الاقتصادية الدولية، فإنها تظهر تحركاً ثابتاً في الاتجاه السلبي، في الوقت الذي كان فيه المهنيون في "وول ستريت" والحي المالي في لندن يلحقون بالأحداث.

حتى المتشائمين بشكل دائم لم يتوقعوا الانفجار الكامل لفقاعة الائتمان المرتبطة بطفرة السلع. وقام نوريل روبيني، الملقب عالمياً باسم "د.هلاك" الذي تنبأ بشكل صحيح بجانب كبير من الأزمة، بمراجعة توقعاته باستمرار على نحو أدنى في الوقت الذي كانت فيه أزمة الائتمان تضرب بشكل أقسى.

لا تستطيع وسائل الإعلام الادعاء بتوقعات أفضل. ففي حين أن بعض المعلقين وجدوا أن توقعاتهم بشأن الأزمة تتحقق، إلا أن أياً منهم لم يتوقع القصة كاملة بشكل صحيح، وكان عديد منهم محظوظ بعد أن تكهن بعشر أزمات مثل الأزمتين الأخيرتين اللتين تحققتا في نهاية المطاف. غير أن حظ الآخرين لا يزيل الحرج الذي أشعر به عندما أقرأ التقييم الذي قدمته في شهر تموز (يوليو)، بأن الركود "يمكن أن يحدث، غير أن بريطانيا لم تصل إلى تلك المرحلة بعد، وليست قريبة منها حتى". وكما يعرف الجميع الآن، فإن بريطانيا كانت قريبة، حتى في ذلك الوقت.

على الرغم من التسلية الكبيرة التي تجدها عندما تنظر إلى الأمور السخيفة التي قالها الاقتصاديون، إلا أن هناك كثيرا مما يمكنك أن تحصل عليه بدراسة الإخفاقات المحددة التي ساهمت في عدم قدرة المتنبئين بشكل عام على التحذير بشأن الفوضى الحالية.

أولاً، الضعف الخفي، ولكن الواضح الآن، للاقتصاد العالمي في وجه الانهيار المصرفي الذي شمل النظام بأكمله. ويقول جيم أونيل، كبير الاقتصاديين في بنك جولدمان ساكس، إن فشل بنك ليمان براذرز، كان بمثابة "المغير لأصول اللعبة"، وكانت توقعاته قبل ذلك "النجاح المؤكد"، وبعد ذلك "كنا نتخبط للاستمرار".

ثانياً، حسبما يقول ستيفن كينج، كبير الاقتصاديين في بنك إتش. إس. بي. سي: "تفترض كافة النماذج الاقتصادية تقريباً أن النظام المالي ’ينجح‘". ولم يتوقع الاقتصاديون بشكل عام كيف يمكن أن تؤدي السياسة النقدية الأكثر تراخياً التي سادت في القسم المبدئي من العقد إلى توسع ائتماني غير مسبوق.

ثالثاً، الشح العميق في دخول الأسر والشركات بسبب طفرة أسعار السلع في النصف الأول من عام 2008 والذي لم يتوقعه أحد على الإطلاق. وأسهم هذا الأمر في إضعاف القطاع غير المالي قبل أن تكون للبنوك أية فرصة لإصلاح الضرر الناجم عن أزمة القروض العقارية لضعاف الملاءة، وكان عاملاً حاسماً من عوامل الكارثة التي تجلت للعيان في هذا الخريف.

رابعاً، تشير معظم النماذج الاقتصادية إلى أن الطلب على الأموال سيكون مستقراً، غير أن البنوك والأسر بدأت الآن تجمع السيولة. ويهدد ذلك بجعل السياسة النقدية غير فعالة كأداة للتعافي الاقتصادي، وهو أمر لا يتم تحليل عوامله بشكل عام في نماذج التوقع.

خامساً، الاعتماد المفرط على فجوة الإنتاج – الفرق بين مستوى الإنتاج، والتقدير لما هو مستدام – في التوقع. وسمح ذلك لصانعي السياسة بالاعتقاد بأن كل الأمور كانت على ما يرام في الاقتصاد، لأن التضخم كان تحت السيطرة، ولم يمكن النمو مفرطاً.

سادساً، الميل الطبيعي للبحث عن أسباب منطقية للأحداث عندما تتكشف، بدلاً من السؤال ما إذا كانت مستدامة. ويعتقد كينيث روجوف، وهو أستاذ في جامعة هارفارد، وكبير الاقتصاديين سابقاً في صندوق النقد الدولي، أن الميل إلى النظر إلى الجانب المشرق أمر شائع تحديداً في "وول ستريت"، حيث إنه: "من الصعب أن تجني الأموال بصفتك متشائماً على نطاق كبير"، حسبما يقول.

سقط الأكاديميون والاحتياطي الفيدرالي أيضاً في مصيدة التحليل المنطقي للملامح غير المستدامة للاقتصاد العالمي. وهناك بحث أجراه في عام 2005 ريكاردو هاوسمان، وفريدريكوكوريك ستورزنيجر من جامعة هارفارد، سبَّب اضطراباً بشأن احتمال أن تمنع "المسألة الغامضة" المالية، حدوث انفجار كبير في الاقتصاد العالمي. والفشل في الاعتقاد بهذه المادة الغامضة، حسبما استنتج المؤلفان، جعل "المحللين يتوقعون أزمات بقيت لأسباب منطقية غير ملموسة".

ينبغي أيضاً أن نذكر أصواتاً بارزة توقعت الهلاك، حيث إنها عرفت على نحو صحيح أجزاء مهمة من الأحجية حتى لو فاتها معرفة التوقيت أو التفاصيل الأخرى. فالأستاذ روبيني الذي يدير الآن الشركة الاستشارية، أر. جي. إي مونيتور، كتب بحثاً بمشاركة براد سيتسر، وذلك في شهر آب (أغسطس)، توقع أن الاختلالات التجارية في العالم كانت غير مستدامة، ومن المحتمل أن "تحدث صدعاً في النظام في غضون السنوات الثلاث إلى الأربع المقبلة". وكان ذا بصيرة في إدراك الروابط بين الأسواق المالية والاقتصاد الفعلي.

كان ويليام وايت، كبير الاقتصاديين السابق في بنك التسويات الدولية، بنك مصرفيي البنوك المركزية في بازل في سويسرا، ناقداً مثابراً للسياسة النقدية المتراخية، والفشل في منع التوسع الائتماني. وكشف الأستاذ روجوف أيضاً عن مخاطر التوسع الاقتصادي العالمي غير المستدام في بحث أجراه في عام 2004 بمشاركة موريس أوبستفيلد. وفي بحث حديث للغاية أجراه بمشاركة كارمن رينهارت، قام بتسليط الضوء على الكيفية التي وقع فيها صانعو السياسة في مصيدة "هذه المرة تختلف"، التي يعود تاريخها إلى العجز الذي عانته إنجلترا في القرن الرابع عشر.

كان الأستاذ بيرسود يكسب عيشه بنزاهة منذ عدة سنوات بالتحذير من ضعف نماذج القيمة – بحسب – المخاطر، وميلها إلى تشجيع السلوك الجماعي. وفي استطلاع العام الجديد الذي أجرته "فاينانشال تايمز" لعام 2008، قال واين جولدي، من جامعة كامبردج، وهو متشائم دائم أيضاً: "اعتقد أن توقف الأسواق المالية سوف ينتج عنه على الأرجح انهيار كبير للغاية في الإقراض في الولايات المتحدة إلى القطاع غير المالي، بحيث إنه سوف يسبب ركوداً أعمق بكثير، وأكثر صلابة من أي ركود آخر منذ عقود – وأعمق من توقع أي شخص آخر تماما".

إن صانعي السياسة أيضاً، كانوا بعيدين عن ارتكاب الأخطاء بصورة مستمرة، إذ إن تريشت يناقش خلال دعوات العشاء قصصاً تؤكد كيف أنه توقع الأزمة، ويذكر مقالاً نشرته "فاينانشال تايمز" كدليل على أن التحذيرات لم تكن من نوع التعليقات العابرة بشأن المخاطر التي يتيحها المصرفيون المركزيون دائماً. وحذر كينج لعدة سنوات من المخاطر الواضحة في الاقتصاد العالمي، وحذر صندوق النقد الدولي بشكل متكرر من المستوى غير المستدام لأسعار المنازل.

يحذر ويليم بويتر، الذي تلقت مدونته على الموقع الإلكتروني لـ"فاينانشال تايمز" الثناء أخيراً في البرلمان من قبل محافظ بنك إنجلترا، من أننا يجب ألا نذهل للغاية من أن بعض التوقعات التي اتضح أنها صحيحة، والسبب أنها كانت محظوظة، وليست حكيمة. ويصر الأستاذ بويتر قائلاً: "إن الإدراك المتأخر أمر عقيم. وعلى المرء أن ينظر إلى المعلومات المتاحة، والحجج المستخدمة، في الوقت عينه".

إنه بلا شك أمر مشروع، ويجب أن يشكل الأساس لأي حكم على التوقعات، أو قرارات السياسة التي تم اتخاذها. غير أن الأمر منوط بمستهلكي التوقعات الاقتصادية لكي يدركوا أي النماذج الاقتصادية يمكن أن تنجح، أو لا تنجح. ويجب أن يركزوا على المخاطر، بدلاً عن التوقعات الرئيسة المحضة.

يقول أونيل من بنك جولدمان ساكس إنه يجب على الاقتصاديين في القطاع الخاص أن يحاولوا بجهد أكبر التقليل من الوعود، والزيادة في النتائج. ورغم جميع المواهب، والنماذج الأكثر تطوراً، إلا أنها "لم" تتوقع، ولم يكن بمقدورها أن تتوقع ’حادثة‘ بنك ليمان.

لو أن المجتمع أصغى إلى الكاردينال الشاب راتسنجر قبل أكثر من عشرين عاماً – قبل أن يكون من المنطقي بطبيعة الحال، أن يتوقع بأن يكون البابا المقبل".

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية