في الوقت الذي تعاني فيه عديد من دول العالم ضغطا ماليا بسبب الأزمة الاقتصادية، فإن باكستان تعد من أبرز الدول التي تتهددها الأزمة المالية. فقد كشفت تقارير دولية تابعة لصندوق النقد الدولي، أن قدرة إسلام أباد على الصمود تعد شبه معدومة، إضافة إلى حاجتها إلى ما يزيد على 15 مليار دولار من المساعدات الفورية كي تتفادى الانهيار في الوقت الحالي إلى أن تتضح الصورة في المدى المنظور حول الحاجة الفعلية إلى إنقاذ البلاد. وما لم تجد الدول المانحة في خزائنها أموالا كافية، فهذا سيدفع باكستان إلى إعلان الإفلاس. وهو أمر لا أحد يستطيع تقدير حجم عواقبه على بلد يواجه نزاعات أهلية وحدودية تهدد بقاءه.
والمشكلة الباكستانية معقدة جدا كون البلاد تخوض حربا ضد جماعات إرهابية شتى، ما يجعل البلاد ملعبا خصبا لهذه الجماعات التي ضيق عليها في العراق وبقية البلدان العربية في الوقت الذي تبحث فيه جاهدة من ملاذ جديد. وإذا أفلست الحكومة في إسلام أباد فإن القوى المتطرفة التي يقودها نظام طالبان في أفغانستان، التي تتمتع بدعم كبير من معظم قبائل البشتون في المقاطعات الشمالية الغربية، ستكون أمام فرصة أكبر لجعل الفوضى تعم المدن الباكستانية الرئيسية وخاصة كراتشي. وكان المحلل العسكري الأمريكي ويليام ليند حذر من أن الجيل الرابع من الحروب يفيد القوى غير النظامية مثل القاعدة من تقويض البنى القائمة للدول التي قد تنتشر وتمتد بسرعة إذا انهارت مقومات الدولة خاصة في بلد واسع مثل باكستان. وكان طالبان وأنصارهم بمساعدة من تنظيم القاعدة صعَّدوا عملياتهم العسكرية ضد قوات الجيش والشرطة الباكستانية. وفوق ذلك كله أصبحت باكستان اليوم على حافة الانهيار المالي. وتحتاج إلى مبلغ ثلاثة مليارات دولار خلال شهر من الآن للمحافظة على خدمة دينها، وإلى أكثر من عشرة مليارات دولار خلال العامين المقبلين للغرض نفسه. ويبدو هذا المبلغ ضئيلاً مقارنة بالأرقام التي انتشرت في الولايات المتحدة حديثاً حول الخسائر التي تكبدتها المؤسسات المالية الكبيرة.
ولأن معظم الحكومات الرئيسية في العالم تشعر بالضغوط، فإن باكستان تعاني حالياً عدم القدرة على الحصول على دعم مالي في إطار سلة متكاملة، لكن برزت بعض إشارات الشؤم، إذ يبدو أن الداعمين التقليديين لباكستان "الصين ودول الخليج العربية" لم تظهرا إرادة كافية للمساعدة. إذ إن انخفاض أسعار النفط العالمية أخاف الخليجيين، فيما يدرك الصينيون أن استقرارهم الاقتصادي يعتمد على الاقتصاد الأمريكي واستمرار الولايات المتحدة كأهم سوق لصادراتهم.
في الإجمال بات الاقتصاد الباكستاني ميئوسا منه والأسباب قديمة العهد وبنيوية وليست إطلاقاً من النوع الذي يمكن إصلاحه سريعاً. لقد ورثت حكومة زرداري نسبة مرتفعة من التضخم وواردات كبيرة غير متعادلة ونقص مزمن في الإنفاق على البنى التحتية والتعليم. غير أن حذر وانشغالات الدول الأخرى حول العالم لا يقلل من التهديد الذي يواجه السلام الإقليمي والدولي إذا انهارت باكستان. وحكومة زرداري غير الشعبية لدى الإسلاميين والمناطق الريفية الفقيرة ومؤسستها العسكرية خاصة بين ضباط جهاز الاستخبارات العامة، بالكاد قد تتمكن من الاستمرار أمام مثل هذه الكارثة. وإذا سقطت حكومة زرداري فإن النتائج على الاستقرار الإقليمي ستكون رهيبة. وقد تشعر الهند الجارة الخائفة التي هاجمت جماعات إرهابية عاصمتها الاقتصادية نهاية الشهر الماضي من ترسانة باكستان النووية التي تقدر بتحفظ بنحو 30 رأسا نوويا وربما أكثر من ذلك بكثير، بالحاجة إلى دراسة إمكانية التدخل الاستباقي الوقائي. وحتى لو لم تفعل فالتهديد سيكون حقيقياً بأنه نتيجة الفوضى التي قد تسود البلاد عقب انهيار حكومة زرداري فإن القوى المتطرفة في باكستان قد تسيطر على رأس نووي أو أكثر. ونتائج سقوط زرداري على علاقات باكستان مع الولايات المتحدة وقدرة واشنطن على متابعة الحرب على الإرهاب بفاعلية، ستكون رهيبة. ويفترض حالياً أن تكون القوات الأمريكية وقوات الناتو المنتشرة في أفغانستان والمقدر عددها بنحو 50 ألف جندي، تزوّد جواً من خلال الممرات الجوية فوق الأراضي الباكستانية. وإذا أغلقت حكومة باكستانية مقبلة هذه الممرات فإن القوات الأمريكية وقوات الناتو التي تعاني أصلاً في أفغانستان ستجد أن مهمتها قد تدهورت بشكل سريع. ويمكن أن نفهم سبب تردد السياسيين الباكستانيين في وضع مستقبلهم السياسي بيد صندوق النقد الدولي، إذ يدركون أن مساعداته ترتبط عادة بشروط وقوانين تتطلب خفض الإنفاق الحكومي. وفي دولة مثل باكستان يعني ذلك قطع البرامج الاجتماعية المخصصة لدعم الفقراء بما في ذلك رفع الدعم عن المواد الغذائية. ويعقد المسؤولون في حكومة زرداري آمالهم على مجموعة دول "أصدقاء باكستان" التي أنشئت أخيراً وتقودها الولايات المتحدة وعلى أعضائها، وتضم بريطانيا وكندا وفرنسا وألمانيا. ويسارع رئيس الحكومة الباكستانية رضا يوسف جيلاني إلى وضع سلة اقتصادية قادرة على استقطاب المستثمرين الأجانب، وهو أمر أهمله الرئيس السابق برويز مشرف بشكل كامل خلال سنوات حكمه التي استمرت قرابة تسع سنوات. وتتراجع الآمال أمام إمكانية تجنب باكستان آثار الأزمة المالية والاقتصادية. غير أن نتائج حدوث ذلك مخيفة ولا يمكن التكهن حول خطوط نهايتها.

