السبت, 24 أكتوبر 2026|12 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

شقت أوروبا طريقها مثل مخاض الحامل بدم وألم وصياح، ومما أورد ديورانت المؤرخ قصة كاهن فرنسي كفر بالصليب والكنيسة والمصلبة؛ فكتب على نحو خفي مخطوطة خاصة به، وبقي يخدم الكنيسة علنا ويلعنها سرا، فلما مات دفنه الناس بخشوع، ثم قرؤوا وصيته؛ فهالهم الأمر واستهوتهم أحزان، وأرادوا التكتم على الخبر والعهد، ولكن الكاهن كان قد وزع أكثر من نسخة من اعترافاته، وحين قرأت الأخت سعاد من تازة في المغرب كلماتي عن هذا الرجل أثارها الخبر، وأرادت أن تعرف أكثر عن جو التنوير الذي انفجر في أوربا، بأكثر من قنديل علاء الدين والمصباح السحري؟

قالت السيدة المغربية قرأت مقالتك عن القس مسلييه كتاب العهد الجديد‏، وما أريده من الدكتور هو التوضيح؟

لقد خرجت الكنيسة المسيحية من معتقداتها مند ذلك الوقت إلى عهد جديد عرف بعصر التنوير، وذلك بعد إعمال للعقل من طرف رجال الكنيسة وليس الدين المسيحي، وإعطاء حرية التعبير والخروج من الممارسات التقليدية المحصورة داخل الكنيسة.

هل في نظرك أن المسيحية بسبب دعوتها إلى العلم والتفكير والخروج من المعتقدات الخاطئة، هو السبب في تقدمها ودخولها عهدا جديدا الذي سمي بعصر التنوير؟

وفي المقابل نجد الدين الإسلامي يدعو إلى إعمال العقل والمنطق، والعقيدة الإسلامية واضحة لا غموض فيها تدعو إلى التعقل، ومع ذلك لم تعرف المجتمعات العربية الإسلامية تقدما وعهدا جديدا مستنيرا,هل يمكن توضيح علاقة الدين المسيحي والدين الإسلامي بالعقل ؟

وهل المجتمعات العربية الإسلامية مستنيرة؟

وإذا كانت المخطوطة التي كتبها القس ظهرت قبل وفاته هل كان سيعتبر داخل مجتمعه ملحدا؟  

وجوابي عن تساؤلات الأخت ذو أربع زوايا:

الأول أن الدين جاء في الأصل لتحرير الإنسان، ولكن الأحبار والرهبان كنزوا الكنوز واشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فبئسما يشترون ويبيعون.

والثاني أن ما حدث في أوروبا كان خارج الدين المسيحي ورجالها، فقد كفر العلماء بالكنيسة والمسيحية وخرجوا من الدين جملة وتفصيلا. والحضارة الغربية بذلك خرجت بقرن الشيطان كما يقال، وهجرت الفكر الديني في عمومه فهي حضارة مسيحية وغير مسيحية..

والأمر الثالث أن الظلام في العالم الإسلامي قديم منذ أيام العباسيين حين تمت مصادرة العقل وأقفال باب العقل والاجتهاد..

وأخيرا لو أعلن مسلييه عن رأيه قبل موته، لكان على المصلبة أو المحرقة كما أحرق جيوردانو برونو المسكين في 17 شباط (فبراير) عام 1600م مثل فروج مشوي وهو يزعق ألما..

ومسألة التنوير يجب فهمها على نور التاريخ..

ففي الوقت الذي كان العالم الإسلامي يضع عقله على الرف، ويتوقف الزمن عنده على ضرب صنج الصوفية، ويشخر في أحلام وردية على قصص ألف ليلة وليلة، كانت بذور منهج الغزالي في التأسيس المعرفي من خلال مبدأ الشك يثمر ثمراته في جنوب ألمانيا بطريقة مختلفة.

يقول ديكارت عن نفسه إن الثلج والبرد اضطره إلى قضاء الشتاء في جنوب ألمانيا قريباً من مدينة أولم ULM.

كان رينيه ديكارت من نبتات التنوير العقلي الجديد، الذي امتد من شمال إيطاليا إلى كل أوروبا من الشعلة التي قدح زنادها ابن رشد. يقول ديكارت إنه التجأ إلى هذه المكان وهو فارغ البال من الهم والحزن والهوى.

كان الشيء الذي يحتل كل ملكاته العقلية هو إمكانية الوصول إلى الثقة واليقين في العلوم، فديكارت كان قد ودع الفكر القديم وفقد ثقته به فكتب في (المقال على المنهج):

(العقل هو أحسن الأشياء توزعاً بين الناس إذ يعتقد كل فرد أنه أوتي منه الكفاية، وليس من عادتهم الرغبة في الزيادة لما لديهم منه . ويشهد هذا بأن قوة الإصابة في الحكم التي تسمى العقل تتساوى بين كل الناس بالفطرة، وكذلك يشهد بأن اختلاف آرائنا لا تنشأ من أن البعض أعقل من البعض الآخر، وإنما ينشأ من أننا نوجه أفكارنا في طرق مختلفة، لأنه لا يكفي أن يكون للمرء عقل بل المهم هو أن يحسن استخدامه، وإن أكبر النفوس لمستعدة لأكبر الرذائل مثل استعدادها لأكبر الفضائل).

استولى الشك على كيان ديكارت كاملاً فبدأ يتنفس الشك ويعيش فيه، ويقول إن تلك الليلة شعر وكأن دماغه من شدة التفكير يوشك على الانفجار، ثم انقدح أمامه فجأة المنهج الجديد الذي عرف بالمنهج التحليلي الديكارتي.

قال ديكارت إنني عندما أشك أفكر ؛ حتى لو شككت في كل شيء بما فيه وجودي بالذات، حتى لو زالت الدنيا كلها، فإن شيئاً لا يزول ولا يتزحزح وهو أنني أشك؛ أي إنني أفكر وإذا كنت أفكر فهناك حقيقة أنني موجود على صورة من الصور ولكنني موجود. فهذه هي الحقيقة الراسخة الوحيدة التي يمكن أن استند إليها في كل عمليات التفكير.

هذه الحقيقة الراسخة مهدت الطريق لعصر التنوير في أوربا واعتبرت الفلسفة الديكارتية أحد المفاصل الجوهرية التي قامت عليها الفلسفة الأوربية، الحديثة باعتبار أن ديكارت وعشرات من أمثاله كانوا البناة النظريين للعصر الحديث بكل إنجازاته، لأنه مع حركة العقل تم تدشين حرية التفكير، ومع حرية التفكير انطلقت الأبحاث العلمية بدون حدود، ومنها نبعت التكنولوجيا الحديثة والنظم السياسية، فهؤلاء المفكرون العظام هم الذين حلوا أعظم مشاكل الجنس البشري وبناء مناخ الحرية الفكرية الكامل دون خوف.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية