كتب التاريخ ستوثق أن الاقتصاد العالمي شهد توقفاً مفاجئاً بعد 15 أيلول (سبتمبر). وبتأكيدها جوانب الضعف الهيكلي القائمة منذ أمد بعيد، زعزعت الطريقة التي انهار بها ليمان براذرز الثقة التي تعتمد عليها سلاسة الأداء في اقتصاد السوق. ونتيجة لذلك أصبح كل مؤشر للعلاقات الاقتصادية والمالية يكشف عن أعراض وسمات سكتة قلبية.
سيزداد الوضع سوءا قبل أن يتحسن، ولن يتحسن إلا إذا حدث تحول في التفكير على مستوى القطاعين الخاص والعام، على أن يكون ذلك بعيداً عن الأفكار المريحة وغير الواقعية، وباتجاه الحقيقة الأشد قبحاً، المتمثلة في رحلة التقلبات إلى وجهة مختلفة. فالتداعيات بعيدة الأثر، وهي تتحدث عن مزيد من الأحداث في السوق، وعن عمليات إعادة تعديل وتوازن قطاعي مضطربة، وعن تحولات إضافية في السياسات.
حتى 15 أيلول (سبتمبر) كان النقاش يتركز على الخطر الأخلاقي، أو إلى أي مدى يمكن لعمليات الإنقاذ الحكومي أن تشجع السلوك غير المسؤول. والحاجة إلى إظهار الجدية الحكومية تجاه انضباط الأسواق شكلت أحد أسباب قرار السماح بفشل ليمان براذرز. وما تم فهمه بصورة أقل هو أن من الأهمية الشديدة معرفة كيف يؤثر فشل مؤسسة على هيكل رأس المال.
أدت الطريقة التي فشل بها ليمان إلى إعاقة المدفوعات والتسويات. فعلى نطاق العالم تراجع المشاركون في الأسواق بأعداد كبيرة عما كانت، حتى ذلك الحين، عمليات معيارية، روتينية، متوقعة. وعلى ذلك، من غير المفاجئ في الوقت الراهن أن نرى معظم المؤشرات تتجه نحو الانحدار. ولا يتعلق الأمر فقط بالاستهلاك والاستثمار والتشغيل في الولايات المتحدة، وهو ما يتوقع أن يؤدي إلى تراجع بنسبة 4 في المائة، أو أكثر، على مستوى الناتج المحلي الإجمالي في هذا الربع من السنة وحده، بل الأمر يتعلق كذلك بالضغوط على الإنتاج في البرازيل، والصين، واليابان، وروسيا، إضافة إلى تباطؤ قطاع الإنشاءات في الخليج.
ما نشاهده يتجاوز كثيراً هزة اقتصادية دورية، ودمجاً للقطاع المالي. فنحن أيضا في خضم زيادة مطولة في السلوك الحذر على صعيد الكيانات التي عانت من دمار شامل للثروات، كما أنها تواجه سنوات من تراجع قيمة الموجودات والنشاطات العملية. وبدون مزيد من التعديلات ستتفاقم ثغرات التغذية الراجعة السلبية، التي تركت أثرا حاسما على الرفاه العالمي.
آن الأوان للتخلي عن الثقة المطلقة في إمكانية العودة السريعة إلى الماضي والتكيف مع حقيقة التغير. التحول في التفكير يعني وقتاً أقل في النظر إلى قعر السوق، ووقتاً أكثر للتأكيد على أن إدارة السيولة والضمانات الإضافية تحافظ على سرعتها، مع أشكال التشوه التي هي عالمية بطبيعتها وآثارها لا تعرف التمييز. ويتطلب ذلك من صانعي السياسة التخلي عن التفاؤل المبسط المتمثل في المفاضلة بين خيارات السياسات (عمليات ضخ رأس المال مقابل شراء الموجودات، مثلا)، وذلك نحو استجابة شاملة تتضمن الكثير مما شهدناه أخيرا في الولايات المتحدة. خطوات منسقة بصورة موسعة بين عدد من الوكالات للتعويض عن عجز الحركة والفاعلية على مستوى أسواق الائتمان.
وفي نطاق الاستمرار بنهج سياسات أكثر شجاعة لموازنة أثر التراجع الاقتصادي الفوضوي، ينبغي على الحكومات أن تكون واضحة فيما يتعلق بأربعة مبادئ:
أولاً، يجب أن يقتصر التدخل على قطاعات محدودة في قلب عملية العلاج، بما يدعم النجاح الأخير في أسواق التجارة والمال، مع التطبيع التدريجي للقطاعين الإسكاني والمالي.
ثانياً، على الحكومات، كلما استطاعت ذلك، أن تشترك مع القطاع الخاص، الأمر الذي يتضمن في معظم الحالات استثمارات طوعية مشتركة. لكن يمكن أن يتطلب في بعض الحالات (مثل صناعة السيارات في الولايات المتحدة) اقتساماً منسقاً للأعباء بين الأطراف المستفيدة.
ثالثاً، على الحكومات أن تعالج مستلزمات آليات الخروج.
رابعاً، على الحكومات ألا تدع الأفضل يصبح عدواً للجيد، لأن إدارة الأزمات تؤدي في النهاية إلى حالات من عدم الاتساق التي يجب أن يعالجها جهد توافقي وانسجام وإصلاح متتابع.
إن التدخل الحكومي شديد الاندفاع يخالف المعتقدات الأساسية لنظام السوق. ولذلك يجب أن يكون في الحدود الدنيا. لكن حين تكون هناك حاجة إليه، بسبب حالات فشل متتابعة وشاملة في الأسواق، مثل ما نشهده هذه الأيام، فيجب أن يكون خاضعاً لهذه المبادئ. وكلما ضعف التقيد بهذه المبادئ، زادت التكلفة على الرفاه الإنساني وتدنت فاعلية أي خيار سياسي. والفهم السريع لهذه الحقيقة المتوحشة أمر حيوي لحماية الاستدامة طويلة الأجل لآليات السوق محلياً وعالمياً.

