الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الاثنين, 13 يوليو 2026 | 27 مُحَرَّم 1448
Logo

يبدو أن الانتصارات الأخيرة التي حققتها المعارضة في الانتخابات التي شهدتها فنزويلا أخيرا، فضلاً عن الأزمة المالية الدولية، قد بدأت بالفعل في فرض القيود على سلطات وصلاحيات الرئيس هوجو شافيز للمرة الأولى منذ توليه منصبه قبل عشرة أعوام. الحقيقة أن هذه الانتخابات أظهرت أن سيطرة شافيز على البلاد لم تعد تامة. فقد أصبحت المعارضة صلبة في فنزويلا الآن، كما تقلصت المسافة بين حكام البلاد وأولئك الطامحين إلى تولي الحكم. وهذا في حد ذاته يشكل تقدماً ملموساً، على اعتبار أن المعارضة ما زالت تدفع ثمن مقاطعتها لانتخابات عام 2005 والتي أعطت شافيز السيطرة المطلقة على البرلمان. إن تنامي قوة وتماسك المعارضة ليس راجعاً إلى تزايد عدد أنصار شافيز الساخطين عليه الذين فقدوا ولاءهم له فحسب. فهؤلاء الذين كانوا يطمحون ذات يوم إلى تأسيس "قطب ثالث" في السياسة الفنزويلية أُبعِدوا بفعل الاستقطاب التقليدي بين أنصار شافيز ومعارضيه. بل يرجع السبب وراء تنامي المعارضة في الأساس إلى عودة مستويات الدعم الشعبي التي اكتسبتها المعارضة أثناء الفترة بين عامي 1998 و2001 ـ نحو 40 في المائة ـ ولأنها تمكنت من إعادة الممتنعين وغير المستقرين إلى حظيرتها، ومن بينهم من ينتمون إلى فصائل شعبية مهمة. إن المعارضة ممثلة في أغلبها الآن في الساسة الديمقراطيين المحترفين الذين لم يتمكنوا من توحيد مجموعة عريضة من الفصائل فحسب، بل ونجحوا أيضاً في إزاحة "مخلصو الأمة" ـ وهي المجموعة التي اعتاد أفرادها على قيادة المعارضة من غرف الاستقبال في فنادق العاصمة. كما نجح زعماء المعارضة الجدد في إزاحة هؤلاء الذين كانوا يريدون خلع الزعماء "الشعوبيين" بالاستعانة بخطاب مناهض للسياسة. وهكذا، نجحت المعارضة في تحقيق هدفها: إيجاد موطئ قدم لها بإنشاء رأس جسر على أرض السياسة الفنزويلية بالاستعانة بقدر كبير وحقيقي من الدعم الشعبي. إن إعادة التوازن السياسي على هذا النحو ـ سواء من حيث الأصوات أو المؤسسات ـ من شأنه أن يخلق حواجز أعلى في مواجهة أي انحراف سلطوي، أياً كان مصدره أو منبعه. والآن يتعين على شافيز وأنصاره أن يتعلموا كيف قد تكون الحال حين يحكمون ضمن حدود. كان الرئيس يأمل في القيام من جديد بدور "قائد الحملة الأعظم" الذي لعبه في الانتخابات السابقة، وهو ما دفعه إلى قيادة حملته شخصياً، متجاهلاً الانتقادات الموجهة إليه أنه كان يستغل سلطاته وصلاحياته ظلماً وعدواناً. ولكن هذه الميزة، علاوة على تهديداته الكلامية المعتادة، كانت أقل تأثيراً من رغبة الناخبين في بعض المدن والمناطق في معاقبة نظامه بسبب سوء إدارته. من عجيب المفارقات في هذه الانتخابات الصادمة أنها ستشكل بالفعل سبباً للاستقرار السياسي في فنزويلا، على الأقل في الوقت الحالي، وستصب في مصلحة تجديد دماء الديمقراطية. وهذا في مجمله يشكل أهمية كبرى بالنسبة للمعارضة، وذلك لأن نفوذها الجديد يرتفع في وقت حيث بات من الصعب على الحكومة أن تستمر في شراء الدعم بالإعانات والمنح بسبب الانكماش الاقتصادي وانخفاض عائدات النفط. هذا لا يعني أن خطاب شافيز الثوري المناهض للإمبريالية قد خسر كل بريقه وجاذبيته، ولكنه لم يعد كافياً لتوليد سلطانه المطلق. بل إن ظلال النـزعة العسكرية التي خيمت على نظام شافيز ربما تؤدي إلى إثارة أعصاب غالبية الشعب الفنزويلي، الذي بات يتساءل عمن سيكون العدو المقبل الذي يتعين عليه ملاحقته. ورغم ذلك فمن الواضح أن شافيز سيستمر في اشتراكيته الاستوائية، مؤكداً القيمة التي تمثلها ديمقراطية فنزويلا القائمة على المشاركة، ومصراً على عقيدته المناهضة للإمبريالية. وفي الوقت نفسه، ستحاول المعارضة الاستفادة من انتصارها، الذي كان كبيراً من حيث رمزيته السياسية، وإن كان جزئياً. وبين هذين النقيضين لا يملك الشعب الفنزويلي إلا أن يراقب تطور الأحداث، غير راغب في التنازل عن ديمقراطيته أو خسارة الامتيازات الاقتصادية التي اكتسبها. يواجه شافيز الآن واقعاً انتخابياً جديداً تأسس لأول مرة في انتخابات كانون الأول (ديسمبر) 2007 حين خسر الاستفتاء الاستشاري الذي دعا إليه سعياً إلى إقرار دستور جديد. إن النتائج التي أسفرت عنها انتخابات تشرين الثاني (نوفمبر) 2008، فضلاً عن الأزمة المالية العالمية التي قيدت قدرة شافيز على تغطية تكاليف سياساته الراديكالية، قد تعمل الآن على الحد من فرصه في مواصلة تقسيم البلد الذي يرغب أهله، مثلهم في ذلك مثل أغلب الناس، في الحياة في ظل ديمقراطية سلمية مزدهرة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية