أصابت ضراوة أعمال الشغب التي قام بها شبان يونانيون محبطون كثيرين في أنحاء أوروبا بصدمة لكنها أيضا كانت تحذيرا لزعماء القارة فيما يبحثون سبلا لمواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية. وبدأت سبعة أيام من الاحتجاجات التي سببت أضرارا بمئات الملايين من اليورو في عشر مدن يونانية إثر قتل الشرطة مراهقا بالرصاص في 6 كانون الأول(ديسمبر) الجاري وغذاها الاستياء من ارتفاع معدلات البطالة بين الشبان وانخفاض الرواتب والرعاية الاجتماعية غير الكافية. وقد خرجت احتجاجات للتعبير عن التعاطف معهم من موسكو إلى مدريد حيث تم تنظيم بعضها بسرعة على الإنترنت أو بالرسائل النصية على الهواتف المحمولة إذ يشعر كثير من الشبان بأن الزعماء يتجاهلون احباطاتهم. وقالت ستيلا نيكولاكاكوس 35 عاما وهي مدرسة "حان الوقت ليستمعوا إلى الناس. نحن نصرخ قائلين انظروا إلى الفوضى التي نعيش فيها". ويشير خبراء اقتصاديون إلى أن على قادة الاتحاد الأوروبي الذين يضعون اللمسات النهائية على خطة تنشيط اقتصادي بقيمة 200 مليار يورو في بروكسل الاستعداد لمزيد من الغضب حيث يجد الأوروبيون أن وظائفهم مهددة بعد عقد من الزمن من النمو خلق توقعات بالرخاء. وتقول فانيسا روسي الباحثة في مجال الاقتصاد بمؤسسة تشاتام هاوس البحثية في لندن "معظم الأوروبيين اعتقدوا أن لديهم حصانة ضد الأزمة واستيقظوا متأخرا على حقيقة أنهم غير محصنين". وأضافت "الآثار ليست جيدة في عدة الدول على صعيد الكساد والاضطراب الاجتماعي". وفي إسبانيا حيث يتوقع أن يصل أعلى معدل للبطالة بين دول الاتحاد الأوروبي إلى 20 في المائة مع تفاقم الأزمة هاجم شبان بنكا ومركزا للشرطة في مدريد وبرشلونة بعد اندلاع احتجاجات بسبب قتل الشاب اليوناني. وفي روما وكوبنهاجن رشق محتجون يساريون الشرطة وألحقوا أضرارا بالممتلكات بينما في موسكو ألقى شبان قنابل حارقة على السفارة اليونانية. وفي فرنسا أضرمت النيران في سيارتين أمام القنصلية اليونانية في بوردو الخميس الماضي. وعثر على كتابات على حوائط بالقرب من الحريق مثل "الانتفاضة مقبلة" و"دعما لحرائق اليونان". وقال الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لأعضاء بحزبه "انظروا إلى ما يحدث في اليونان" رافضا اقتراحات تتصل بالميزانية كان من الممكن أن تحمي الأثرياء من معاناة خسائر. وفي ظل ذكريات لم يمر عليها وقت طويل من أعمال الشغب في الضواحي عام 2005 عبر ساركوزي عن مخاوفه من أنه قد يمتد رد فعل عنيف مناهض للحكومة إلى فرنسا قائلا "الفرنسيون يعجبهم الأمر حين أكون في عربة تجرها الخيول مع كارلا لكنهم في نفس الوقت أعدموا ملكا بالمقصلة". وهناك الكثير من العوامل المتفردة وراء أعمال الشغب في اليونان بما في ذلك ثقافة الفوضويين التي تزدهر في مناطق مثل أثينز أيكزارتشيا حيث بدأت الاضطرابات. كما أدى تاريخ من قسوة الشرطة إلى إحجام السلطات اليونانية عن المجازفة برد قوي. لكن جوانب أخرى تنبع من المشاكل الاقتصادية التي تواجه الاتحاد الأوروبي البالغ عدد أعضائه 27 دولة ما سبب مخاوف بين المستثمرين. وقال رجل الأعمال البرتغالي البارز جواو تالون "أخشى أن ما يحدث في اليونان سيمتد إلى بقية أرجاء أوروبا مع ازدياد البطالة" مناديا بانتهاج سياسات اقتصادية أقل صرامة. ومعدل البطالة في اليونان الذي تصدر عناوين الصحف وارتفع إلى 7.4 في المائة في أيلول (سبتمبر) أقل من متوسط معدل البطالة في منطقة اليورو. غير أن العامل الرئيسي هو البطالة بين الشبان. وتقول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إن نسبة البطالة بين الشبان الذين تراوح أعمارهم بين 15 و24 عاما تبلغ 22 في المائة وهي نسبة متقاربة مع إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وهي دول لها تاريخ من المظاهرات الحاشدة. وقالت جماعة (جيل 700 يورو) وهي جماعة تدافع عن 56 في المائة من اليونانيين أقل من 30 عاما ويجنون هذا المبلغ شهريا "يمثل الشبان اليونانيون حتى هؤلاء الذين يصل عمرهم إلى 35 عاما يمثلون أغلبية صامتة من المواطنين الذين يعملون أكثر من طاقتهم ويتقاضون أجورا زهيدة ويشعرون بعدم الأمان". وهناك جماعات مشابهة لجماعة (جيل 700) في إسبانيا وألمانيا وفرنسا. ويقول جورج بريفيلاكيس أستاذ السياسة في جامعة السوربون إنه كثيرا ما يضطر الشبان إلى العمل في وظائف مزرية على الرغم من حصولهم على تعليم جامعي وهم يستخدمون خدمات الإنترنت مثل برنامج تويتر لتبادل الرسائل والرسائل النصية عبر الهاتف المحمول لتنظيم المظاهرات بسرعة. وأضاف "كثير من هؤلاء الأولاد في أثينا وبعضهم مجرد مراهقين ليسوا فوضويين لكنهم كانوا يقلدون ما يرونه في التلفزيون والإنترنت فحسب. من الممكن أن يحدث هذا في أي مكان". وتواجه أوروبا تحديات للقيم الاجتماعية من الهجرة وازدياد النزعة الاستهلاكية والعلمانية واستقلالية الشبان. وقال ديميتريس كيريديس أستاذ السياسة في جامعة مقدونيا "كل الأوروبيين يواجهون أزمة وحدة اجتماعية(..) المجتمع الأوروبي يتشرذم بسرعة". وحد العجز الكبير في ميزانية اليونان والديون من قدرة الحكومة على تخفيف حدة التباطؤ والتوصل إلى سبيل للخروج من الكساد. وتجازف دول أوروبية أخرى مثل إيطاليا التي يبلغ حجم ديونها 100 في المائة من إجمالي الناتج المحلي بالسقوط في نفس الفخ. حتى اليونانيين الأكثر ثراء يشعرون بالأثر بعد سنوات من الحياة بأسلوب يفوق إمكاناتهم المادية على القروض الائتمانية مثل المستهلكين في إسبانيا وأيرلندا. وحدثت طفرة في الإسكان لكن كثيرا من الناس أصابتهم حالة من الاستياء مع انخفاض الأسعار وجفاف القروض. وأكثر ما أغضب اليونانيين هو أن الحكومة بدت وكأنها تصعب الأمور عليهم حين احتاجوا إلى مساعدتها حيث شددت من شروط الحصول على المعاشات من الدولة وزادت الضرائب لسد الفجوة في ميزانيتها. وفي إيطاليا التي تواجه أسوأ أزمة منذ الحرب العالمية الثانية دعت الاتحادات إلى إضراب الجمعة الماضي بسبب تعامل رئيس الوزراء سيلفيو بيرلوسكوني مع الأزمة. وقالت روسي من تشاتام هاوس إن حكومات الاتحاد الأوروبي ستواجه مشاكل ما لم تقنع الناخبين بأنها تأخذ معاناتهم على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي على محمل الجد وتضع سياسات تعالجها. وقال كيريديس "اليونان مثال للدراسة على ما يجب ألا نفعله" منتقدا رد فعل الحكومة على الأزمة الذي اتسم بالسلبية.

