تحدثنا في المقال السابق عن غياب المعيار الذي يكيف تصرفات الفرد و المجتمع,كما لاحظنا أن من لَفت النظر إلى هذه القضية هو رجل سياسة بريطاني اسمه ديفيد كاميرون وقد سبق أن أوردنا مقتطفا من خطابه. ومما يثير الانتباه في ذلك الخطاب حديثه عن مفهوم ساد في المجتمع الغربي حتى أصبح القاعدة التي قل من يجرؤ على نقدها تحاشيا لتهم الرجعية و التطرف: "الحيادية الأخلاقية" فما المقصود بهذا التعبير؟ إنه يشير إلى نزعة انتشرت في العالم الغربي (وبدأت تبذر بذورها في عالمنا العربي) ,هذه النزعة تنادي بالنسبية في تناول قضية الأخلاق و معيار الخطأ و الصواب,فما يعتبره فلان خطأ ليس بالضرورة خطأ في نظر الآخر,وكلاهما مُصيب بمنطق الحيادية ,فلا داعي للحكم على الأشياء و لا للنقد ولا لإدانة تصرفات الغير ولنرفع جميعا شعار (كله يمشي!!).والمضحك أن صاحب هذا المنطق يناقض نفسه, حيث إنه يدين كل من يعترض على تصرف ما أو يعتبره خطأ,أي أنه يسمي المُعترض خاطئا,فأين الحيادية في ذلك؟ ولم يكن هذا حال القوم من قبل,فقد كانت لديهم معايير أخلاقية واضحة قلما يختلف عليها الناس في العموم فما الذي أدى بهم لهذه الهلامية الأخلاقية؟ إن هذا وجه من وجوه موروثهم الديني و الاجتماعي الصعب والذي ألقى بظلال النفور من كل ما يمت إلى الدين بصلة(معيار الخطأ و الصواب مرتبط بالدرجة الأولى بالأديان السماوية),فمن ينظر إلى تاريخهم يجده يتسم بكثير من الجمود الفكري و التطرف الديني إلى حد التعذيب و التحريق و القتل القانوني بل المبارك من الكنيسة...إذن فلجوؤهم إلى تحطيم أي سلطة تملي عليهم قيما و معايير للسلوك مفهوم إلى حد ما(دون إقرار),ولعل ذلك من عوامل انتشار الإلحاد الكلي لديهم والأكثر منه الإلحاد الجزئي حيث يؤمنون بوجود خالق(لأن دلائل وجوده لا تقبل النقاش) ولكن يكفرون بتعاليمه,وما أكبر ذلك التناقض!ولننظر قليلا إلى المنطق وراء هذا التحول ,فما فعله القوم هو ببساطة رفض للمبدأ بسبب استغلاله أو سوء تطبيقه.وبما أن الإنسان موهوب في هذا المجال – سوء الممارسة – فينبغي بهذا المنطق المعوج إلغاء مهنة الطب لأن بعض الأطباء يسيئون استخدامها أو لأنها أصبحت تجارة بدلا من مساعدة للناس.أو ربما علينا التوقف عن استخدام السيارات وتحطيم مصانعها لأن الناس يخطأون في استخدامها و يتسببون في حوادث قاتلة.فهل يبدو هذا من العقل؟ بالتأكيد لا,إلا أن هذا ما هداهم إليه تفكيرهم,فأمست كل القيم محل مراجعة و تدقيق,وأصبح الدين في نظرهم سببا حتميا للاضطهاد والظلم والجمود-وليس الإنسان بجهله و طغيانه-فوجب درؤه جانبا.وبذلك أعطى الإنسان نفسه الحق في إعادة كتابة قوانين الحياة استنادا إلى تفكيره "المستنير"...والنتيجة هي بشر لا معيار ولا مرجع لهم سوى تفكيرهم المحدود بشهادة العلم وأهوائهم وهو الأدهى و الأمَر.فمثلهم كمثل قوم في مركب يغرق ببطء, ولا يملكون استخدام قوارب الإنقاذ لأنهم وقبل أن يبحروا قرروا التخلص منها في لحظة "عبقرية إنسانية!" حتى لا تكون عبئا عليهم,فهم هالكون هالكون,ولا يلومون إلا أنفسهم.ولعل شاهد من أهلها يحسن التعبير عن هذا الواقع...ففي العام السابق أصدرت ثلاث مؤلفات- من ضمن كثيرات- كتبا تنتقد الثورة الإباحية في الغرب ,مع أنه يفترض أن المرأة هي المستفيد الأكبر من هذه "الحرية" المزعومة بما أنها كانت مقهورة.والمؤلفات هن مريام جروسمان وهي طبيبة نفسية من جامعة كاليفورنيا و لورا سيشينز ستيبس و هي صحفية في الواشنطن بوست و دون إيدن و هي محررة في النيويورك ديلي نيوز.وخلاصة هذه الكتب أن النساء دفعن، ولا يزلن، ثمنا غاليا جراء هذه "الثورة" ,ويتضمن ذلك شعورهن بالوحدة و كره الذات والإحساس المستمر بعدم الأمان و الاكتئاب و الانتحار ,إلى جانب الأمراض الجنسية و الحمل دون زواج و ما يترتب عليه من إجهاض أو تبرع بالطفل للتبني أو تربية المرأة للطفل دون أب.والأهم أن المؤلفات الثلاث أشرن إلى قضية أخطر, وهي أن غالبية النساء يعانين من هذه المشاكل دون أن يخطر لهن أن يربطنها بسلوكهن الشخصي..لماذا؟لأن أسلوب الحياة الغربي المعاصر أصبح جزءا من الطبيعة الغربية فلا يستدعي التساؤل و لا الشك ولا المراجعة, فلا توجد طريقة أخرى للحياة في نظرهن, وهنا مربط الفرس!فهن يشعرن بالتعاسة ولكن لا يهتدين إلى السبب الحقيقي من ورائها,وبالتالي فلا يملكن التفكير في حلول فعالة لأن المعيار في تلك المجتمعات تحطم (أو لعله دُفن في أعماق الأرض فيصعب إخراجه بسهولة) ,فإلى أين المفر ؟ فلنكمل في المرة القادمة....
