الأحد, 26 يوليو 2026|10 صَفَر 1448
الاقتصادية

التبذير هو الحكمة الجديدة، لكن في آسيا حيث الادخار منذ فترة طويلة فضيلة واضحة بحد ذاتها، لا يزال على تلك الرسالة أن تلحق بالركب.

هذا الأمر يمثل مشكلة بالنسبة للعالم الذي قرر أنه آن الآوان كي يتدخل الآسيويون للحماية، أو بدقة أكثر، آلة النقود. فبعد عقود من الإعلان عن نمو المدخرات المتراكمة، والعملات الضعيفة، والطلب النشط من جانب الأمريكيين المدمنين على الشراء – الذين كانوا حتى الآن يمثلون مشتري الملاذ الأخير للعالم – على الآسيويين الآن أن يبدأوا بالإنفاق على أنفسهم بعضاً من السيولة التي حصلوا عليها بصعوبة.

من وجهة نظر الاقتصاد الكلي، هذه الحجة لها معنى مثاليا. ويصف تاكومي شيباتا، كبير مسؤولي التشغيل في نومورا، الترتيبات بين آسيا وباقي دول العالم وكأنها تمويل البائع ويقول: "الآسيويون يعملون وينتجون المنتجات، والأمريكيون يشترون. والآسيويون يدخرون، بينما الأمريكيون يقترضون".

لم يكن الأمر سيئاً، ما لم تكن بطبيعة الحال عاملاً صينياً، أو يابانياً، أو تايوانياً، لا تملك شيئاً سوى استهلاك مقموع، وفوائض حسابات جارية وطنية تبين جهودك. ولم يكن الأمر سيئاً للأمريكيين أيضاً. فقد كان بإمكانهم شراء جميع السيارات، وزينة شجرة عيد الميلاد فائقة الحجم التي أرادوها، ما لم يراكموا فاتورة البطاقة الائتمانية غير المدفوعة. ومن حيث المعنى الكلي للاقتصاد، كان كل ذلك يعمل على نحو جيد، مثل آلة في حركة دائمة، إلى أن تعثرت وانقلبت.

الآن يقوم الأمريكيون بإعادة بناء مدخراتهم. والشركات أيضاً تجبر بعض موظفيها على تقليل الإنفاق، بالآلية البسيطة المتمثلة في طردهم من العمل. ويعني هذا – بعيداً عن الانهيار الحاصل في التجارة العالمية – أن على البلدان التي لديها فوائض ناتجة عن الادخار أن تنفق أكثر.

في ظاهر الأمر، يبدو أن آسيا التفتت إلى الدعوة. فالمنطقة مغمورة بحِزَم الحوافز. فإلى أن قدم باراك أوباما الأسبوع الماضي الخطوط العريضة لـ "أم برامج الأشغاال العامة"، كانت أكبر خطة هي التي أعلنت عنها الصين بمبلغ 586 مليار دولار. وحتى الهند، بميزانيتها التي يتوقع أن يبلغ عجزها 8 في المائة، قامت في الآونة الأخيرة بتقطير أربعة مليارات أخرى، تضاف إلى 56 مليار دولار تعهدت بها فعلياً، لدعم الصناعات التي تصارع من أجل البقاء.

في الوقت نفسه، يناقش البرلمان الياباني تقديم عطايا بمبلغ ألفي مليار ين، بواقع 600 دولار تقريبا لكل عائلة، في إطار حزمة حوافز قيمتها 50 مليار دولار. ولدى السلطة التشريعية في تايوان خطة مماثلة. ومن شأن تلك الخطة أن تقدم قسائم قيمة كل منها 107 دولارات إلى كل رجل، وامرأة، وطفل، من السكان البالغ عددهم 23 مليون نسمة يعيشون على الجزيرة، بمن فيهم المحكومون (الذين يفترض أنهم يريدون شراء المزيد من ملابس السجن الجذابة)، ونحو 200 ألف طفل رضيع.

مع ذلك إذا تعين أن تستنتج أن المستهلكين الآسيويين، المغمورين بالهبات الحكومية، على وشك أن ينقذوا العالم من المشكلات، فسيخيب أملك. بداية، فيما عدا اليابان، الاقتصادات الآسيوية تفتقر ببساطة إلى نطاق العمل كمحرك عالمي. ويقدم ستيفن روش من مورجان ستانلي، مخططاً بيانياً يبدو فيه الاستهلاك الصيني والهندي بالكاد واضحاً إلى جانب الطلب المرتفع من جانب الولايات المتحدة وأوروبا.

لكن حتى إذا كانت آسيا تملك هذه الجاذبية، فلا يبدو واضحاً بعد أنها تملك الإرادة. والأمر الذي لا يدعو إلى الدهشة هو أنها تنظر إلى التجاوزات التي قادت الغرب إلى مثل تلك المشكلات الكثيرة على أنها غباء. ففي حين يقيم خبراء الاقتصاد الكلي الاقتراض والإقراض بحيادية ويدعون إلى إعادة التوزان العالمي، ما زال الآسيويون يميلون إلى النظر إلى القصة وكأنها قصة أخلاقية تتعلق بالتبذير والإسراف.

ثمة قصص قليلة من شتى أرجاء المنطقة تؤكد هذه النقطة. ففي اليابان يقول كاورو يوسانو، وزير الاقتصاد، إنه يحتاج إلى أسبوع للتفكير فيما سيشتري. ومثل العديد من اليابانيين، يقول إنه يملك جميع وسائل الراحة الحديثة التي يحتاج إليها. وينطبق الأمر ذاته على المستوى الوطني، إذ تقلق الحكومة اليابانية بشأن الدين العام – بالنظر إلى إلى أنه يشكل 180 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، فإن الأمر بالكاد يدعو إلى الدهشة – وهي مقتنعة بأنه لم يعد هناك شيء يمكن إنفاق النقود عليه. وقبل بضع سنوات لم يستطع أحد الاقتصاديين المتمردين الذي أراد أن تشق اليابان طريقها للخروج من الانكماش، أن يفكر بشيء أفضل يمكن الإنفاق عليه بسخاء مبلغاً يقدر بنحو 150 مليار دولار، من أسطول يضم سفناً يبلغ طول الواحدة منها 250 متراً لحرق النفايات، وتربية الأسماك (لم تأخذ الحكومة اليابانية باقتراحه). وحسبما تشير الاستطلاعات، أكثر من نصف الناخبين اليابانيين يعارضون هبة الحكومة البالغة 600 دولار.

مثل تلك المواقف الحذرة لا تقتصر على اليابان. فالرئيسة الفلبينية، جلوريا ماكاباجال أورويو، تصر بفخر على أنها لن تزيد من عجر الميزانية ليبلغ أكثر من 1 في المائة من الإنتاج، رغم أن صندوق النقد الدولي الذي كتب التصحيح المالي Fiscal Rectitude 101، أبلغها أنها تستطيع مضاعفة ذلك بشكل آمن. وما عليك إلا أن تنظر إلى المستهلكين الصينيين، الذين تقول الدراسات إن 90 في المائة منهم يدفعون مقابل سياراتهم الجديدة نقداً على الفور. ولا يمكن في نانجينغ الحصول على ائتمان دون دفع سعر فائدة.

ثمة أسباب منطقية – بعيدا عن أية فكرة مشكوك فيها تتعلق بالحذر الآسيوي الطبيعي – لتفسير مثل تلك الحيطة. فالنمو الآسيوي بعد الحرب استند بشكل عام على سياسات تقمع الاستهلاك وتفضل الصناعات الكبرى، خصوصا صناعات التصدير، من خلال إنشاء اتحادات منتجين (كارتيلات) بموافقة الحكومة وإقرارها، ومن خلال عملات متدنية القيمة. (سمحت اليابان للين بأن يكتسب بعض القوة، لكن رد فعل الصين على التراجع الاقتصادي كان إيقاف ارتفاع العملة، بل وحتى عكس اتجاها).

إن غياب شبكة الأمان الاجتماعي في قسم كبير من آسيا يضاف أيضاً إلى الميل إلى الادخار، الأمر الذي يضطر الناس إلى تأجيل الاستهلاك، والتركيز على التخطيط للمستقبل. وفي الصين ـ حيث يشكل الطلب الخاص مستوى منخفضا مثيرا للدهشة، إذ يبلغ ثلث الناتج المحلي الإجمالي ـ يدخر الناس الأموال كي يدفعوا مقابل التعليم، والرعاية الصحية، ومنافع التقاعد، التي تفشل الحكومة الشيوعية اسمياً في توفيرها لهم.

إن ميل آسيا إلى الادخار متجذر أكثر بسبب السياسات، وليس الثقافة. لكن لا يعني ذلك أن بالإمكان تغيير اتجاهها سريعاً، أو بسهولة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية