الأزمة الحالية ستتلوها فترة تتسم بإبرام عدد كبير من الصفقات تعود فيها البنوك الاستثمارية ذات النظرة الجديدة إلى كونها بنوكاً تحقق أرباحاً عالية.
كانت السياسات المالية وسياسات الموازنة الأمريكية السبب الرئيسي في وقوع الأزمة التي تنشب أظافرها في أسواق المال العالمية. وقد جعل فشلها الكثير من أصدقائي الألمان ينظرون بعين الشوق والحنين إلى "الحقبة العظيمة" التي كانت فيها الدول تملك البنوك وشركات التصنيع.
الشخص الوحيد الذي يتفوق أداؤه علينا هو الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي. فهو يتوقع أن تناط بالسياسيين مهمة السيطرة على الصناعات الرئيسية في أوروبا وعلى البنك المركزي الأوروبي. إلا أن مقترحات ساركوزي تغفل حقيقة أن استقلال البنك المركزي الأوروبي هو الذي مكنه من العمل على تصحيح السياسات والسلطات الحكومية.
وبالمقارنة مع البنك المركزي الأوروبي، فإن بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ينفذ استراتيجيات على صعيد أسعار الفائدة وتوفير الأموال مصممة لتلبية احتياجات الحكومة الأمريكية واحتياجات وول ستريت. وإلى جانب العجز الضخم في الميزانية الاتحادية، أدت هذه الاستراتيجيات التي تمت صياغتها في عهد ألان جرينسبان، الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي، إلى العمل بمعدلات فائدة أدنى من معدل التضخم.
لقد سلبت معدلات الفائدة هذه من المستهلك الأمريكي أية فوائد قد يجنيها من الادخار وحابت الجهات الدائنة. وزيادة على ذلك، عززت معدلات التضخم وأدت إلى انخفاض قيمة الدولار وتسببت في إلقاء عبء تمويل الحرب في العراق على الصينيين والعرب والألمان. وسهلت السياسات النقدية التي اتبعها الاحتياطي الفيدرالي تحويل السوق العقارية الأمريكية إلى مخطط هرمي.
وخشية من عدم المشاركة في الطفرة، سمحت بعض البنوك الألمانية لنفسها بالانجرار إلى الفقاعة العقارية الأمريكية. ولذلك، فإنها مسؤولة عن موجة النقد الشعبي لأسلوب الرأسمالية الأمريكية الذي اجتاح ألمانيا. ومما ساعد في إذكاء نيران النقد قرار الحكومة الأمريكية بعدم إنقاذ بنك ليمان براذرز الذي كان له عدد كبير من المقرضين في أوروبا. وينظر عدد كبير من الألمان إلى الجشع الذي أظهره بعض المصرفيين الاستثماريين باعتباره أحد العناصر المتأصلة في الرأسمالية، عنصراً يستدعي قيام الدولة باتخاذ إجرءات تخفيفية ووضع سقوف للرواتب.
لقد كان بير شتاينبروك، وزير المالية الألماني، سعيداً لأن يفرض 500 ألف يورو (641 ألف دولار) كحد أعلى لرواتب الأعضاء التنفيذيين في مجالس إدارة البنوك التي تحصل على دعم مالي من الدولة. وأعلن البنك التجاري الألماني الذي يعتبر ثاني أكبر البنوك في ألمانيا، أنه سيعزز رأسماله عبر ضخ 8.2 مليار يورو فورا من صندوق الإنقاذ الحكومي.
زملائي الألمان من أشد المعجبين بالسيد شتاينبروك، الذي تحوّل تصرفاته وأعماله الفظة الانتباه عن حقيقة تفاقم الأزمة بسبب الأخطاء الجسيمة التي ارتكبتها الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات في إدارتها البنوك المملوكة للدولة وإشرافها عليها.
التحليل الذي يستند إلى معطيات واضحة يبين أن كونك ضحية للأزمة المالية من عدمه أمر لا يعتمد على ما إذا كنت تتعامل مع مؤسسة مالية مملوكة للدولة أو لجهات خاصة، بل العامل المحدِّد يتمثل في أنموذج العمل الذي استخدمه البنك الذي تتعامل معه. أنموذج البنوك التي تعمل في نطاق مناطقها الخاصة كان مدعاة للسخرية على مدى سنوات من جانب المفوضية الأوروبية ومن جانب البنوك الاستثمارية الأوروبية. لكن بتجنبه الخطر، أثبت هذا الأنموذج إلى حد بعيد أنه قادر على الصمود في وجه الأزمة. وجعلت مرونة هذا الأنموذج البنوك التي تستخدمه – وهي الاتحادات الائتمانية المحلية وبنوك الادخار - واحة للاستقرار المالي وأهم مصدر للائتمان بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة في البلاد.
لقد أكدت الأزمة المالية مرة أخرى على قيمة النظام المصرفي الألماني الذي يقوم على ثلاث ركائز هي البنوك الإقليمية التجارية، والتعاونية، وبنوك القطاع العام. ولذلك يترتب على البنوك مستقبلاً أن تتبع نماذج عملية واضحة المعالم، وليس السعي لتحقيق معدلات عوائد قدرها 25 في المائة وأكثر. وستكون حكيمة إذا حذت حذو البنوك التي ركزت على الأنموذج المصرفي الإقليمي. إن التخصص في إرضاء العملاء المحليين قد لا يكون مثيراً إثارة الصيرفة العالمية، لكنه يمكّن الشركات من الاحتفاظ بعملائها وموظفيها ومن أن يكون لديها إحساس بالمسؤولية تجاه مجتمعاتها المحلية.
والفرق بين الأنموذجين توضحه البنوك الإقليمية المملوكة للدولة وبنك القطاع العام Kreditanstalt Fur Wiederaufbau الذي يعزى وضعه الراهن إلى فشل الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات في معالجة مسؤولياتها الإشرافية والاستراتيجية بالشكل المناسب. ذلك أن الصراعات الإقليمية بين الولايات حالت دون اندماج البنوك الإقليمية في بنك واحد ذي نطاق عالمي ونسب معقولة على صعيد الدخل إلى الإيرادات. إن إصرار السياسيين على أن تقدم البنوك خدمات لا حاجة إليها جعلها غير قادرة على المنافسة، الأمر الذي جعلها تعكف على البحث عن صفقات يمكن أن تعوض عدم دخول عوائد عليها. وأدى ذلك إلى أن تعمل البنوك في مجالات تفتقر إلى الخبرة فيها.
كونوا على يقين. الأزمة الحالية ستتلوها فترة تتسم بإبرام عدد كبير من الصفقات تعود فيها البنوك الاستثمارية ذات النظرة الجديدة إلى كونها بنوكاً تحقق أرباحاً عالية. ذلك أن تطوير أعراف المخاطر في معاهدة بازل 2، والإعلان عن تبني نظام عالمي جديد للإشراف سيقلل من مخاطر الصيرفة الاستثمارية ومعدلات عوائدها. وسيتم التعويض جزئياً عن ذلك عبر زيادة الفروقات بين الناجين من أزمة الأسواق المالية.
ولم تجرؤ إلا قلة من المصرفيين والساسة الألمان على الوقوف في وجه المد ودعم اقتصاد السوق الاجتماعية التي تمت خيانة قواعدها في البلد الذي نشأت فيه، والتي نسي بقية العالم الأفكار التي تقوم عليها. إن هذا أمر سيئ.ففي أوقات الأزمات المالية، يمكن أن يصبح هذا الأسلوب واحداً من أنجح الصادرات الألمانية.
الكاتب رئيس المركز البافاري للتمويل في ميونيخ.
