إذا تبين أن الإدارة الجديدة تفتقر إلى الإرادة أو الرؤية، فسيكون الإخفاق بسبب أوباما وليس أحدا سواه، كما كان الحال مع بوش.
الأشعار التي ألقيت خلال الحملة الانتخابية نسيها الناس تماماً الآن. باراك أوباما يعد بالحكم السليم على النحو المعتاد. انظر إلى الطابور الذي يصطف الآن لمباشرة العمل في إدارته. كثير منهم من المسؤولين الذين عملوا في البيت الأبيض في عهد الرئيس بيل كلينتون، والبقية يتميزون بأنهم من المحافظين العاديين من ذوي الكفاءة العادية. هل هذا هو التغير الموعود؟
على العموم هذا ما يبدو أنه الانطباع الشائع على نطاق واسع حول التعيينات التي أعلنها الرئيس المنتخب في الأسابيع الأخيرة. السياسة الاقتصادية وُضِعت منذ الآن في أيدي كتيبة من المسؤولين الذين كانوا ضمن فريق كلينتون. الأسبوع الماضي حصلنا على فريق الأمن القومي الذي اختاره أوباما. وإذا من فحوى للتعيينات الأخيرة فهي أنها وعد بعدم إجراء تغييرات مفاجئة.
الوجوه المألوفة، وتثاؤب المراقبين في واشنطن، يعِدان بسياسات مألوفة. هل هناك إشارة يمكن لأوباما إرسالها حول الأهمية الكبيرة التي يوليها للاستمرار أقوى من قراره بإبقاء وزير الدفاع روبرت جيتس في منصبه؟ لن يكون هناك استعجال على الانسحاب من العراق.
صحيح أنه بعد العهد المدمر لرونالد رامسفيلد في وزارة الدفاع، فإن وزير الدفاع الحالي يعتبر قوة كبيرة وذكية في سبيل العقلانية خلال سنوات أفول الإدارة الحالية. ربما اختار جيتس سلفه على نحو جيد، لكنه لا يزال يتلقى الثناء الذي هو أهل له من الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء. كل ما في الأمر هو أن إعادة تعيينه لا تعطي إشارة تذكر على الانشقاق الموعود عن السياسة الخارجية للرئيس جورج بوش.
اختيار جيمس جونز، وهو ضابط بحري متقاعد، ليتولى منصب رئيس مجلس الأمن القومي يبدو أنه دلالة على النزعة الوسطية الحذرة نفسها. الجنرال جونز، شأنه شأن جيتس، يتلقى الثناء من الحزبين. وباعتباره رجلاً عسكرياً وسليل عائلة عسكرية، فإنه يفهم حدود القوة العسكرية وكذلك فائدتها. وينظَر إليه بين حلفاء أمريكا على أنه شخص يتمتع بالخبرة والحكمة اللازمتين لرؤية الولايات المتحدة كما تراها بقية العالم. وليس هناك من يستطيع أن يقول عنه إنه راديكالي متطرف.
كان هناك كثير من الأصوات التي تحض أوباما على التريث. كان جيمس ستاينبيرج، وهو من أذكى العقول في البيت الأبيض في عهد الرئيس بيل كلينتون، مرشحاً قوياً لمنصب رئيس مجلس الأمن القومي. والآن من المتوقع أن يتولى دور المساعد في وزارة الخارجية. ومنذ فترة قريبة ألف كتاباً، نشره معهد بروكينجز، حول المخاطر التي ستواجه الرؤساء الأمريكيين المقبلين في مجال الأمن القومي.
ما النصيحة التي وجهها ستاينبيرج وزميله كيرت كامبيل الذي شاركه في تأليف الكتاب؟ "لا يجدر بالرؤساء الجدد استنفاد طاقاتهم من أجل التصرف بكفاءة في الأشهر الأولى من اعتلاء سدة الرئاسة. يجب أن يظل تركيزهم منصباً على تعيين المناصب المهمة والاستعداد بحذر للسرعة قبل تطبيق السياسات الجديدة". من وجهة نظري يبدو كل هذا الكلام معقولاً تماماً. خذ مثلاً ما حدث مع جون كينيدي في عملية خليج الخنازير. (في 17 نيسان (أبريل) 1961، أي بعد أربعة أشهر من تولي كينيدي الرئاسة، أرسلت المخابرات المركزية مجموعة من الكوبيين المنفيين في عملية لغزو كوبا عن طريق خليج الخنازير، الذي يقع في القسم الجنوبي من كوبا. كان الهدف أن يظهر الأمر وكأنه انقلاب داخلي على كاسترو. وكان مصير العملية الفشل والتسبب في إحراج الولايات المتحدة، حين اعترف كينيدي علناً وتحمل المسؤولية عن العملية). لكن ماذا عن الأعداد الكبيرة من الناخبين الذين ينتظرون التحول بفارغ الصبر؟
قرر المعلقون والمحللون أن أوباما تصرف على نحو من الإثارة حين جعل هيلاري كلينتون وزيرة للخارجية. يقول البعض إن قيامه بتعيين خصمه السياسي الأول في هذا المنصب علامة الثقة غير المتناهية (وغير المكترثة) بالنفس. ويقول آخرون إن إدخاله السيدة كلينتون كان أساسه الحساب السياسي الضيق.
أنصار أوباما من بين أولئك الذين يرون أن هذا التعيين سينتهي بالدموع. حتى لو تبين أن كلينتون هي خادم وفي للرئيس، إلا أن من المؤكد أن زوجها سيحدث اضطراباً في الأمور. أما بالنسبة للتوجهات الجديدة، فإن كلينتون صوتت لصالح غزو العراق واستهزأت بتركيز أوباما على التعامل الدبلوماسي واعتبرته دليلاً على أنه سيكون متهاوناً مع أعداء أمريكا.
ربما يتبين فيما بعد أن المنتقدين على حق، خصوصاً حين يتعلق الموضوع بعدم القدرة على توقع تصرفات الرئيس السابق. لكن الحقيقة هي أننا في الواقع لا نعلم. المخاطر واضحة بما فيه الكفاية، لكن هذه هي كذلك حال الحوافز القوية لكلينتون وزوجته لإنجاح العلاقة.
في رأيي أن السؤال الأهم هو إذا ما كانت النزعة المحافظة الظاهرية عند أوباما تقف في وجه التغير، وإذا ما كان أوباما، بتفضيله الأشخاص المهمين في واشنطن على الأتباع الأوفياء، وتفضيله ذوي الشعر الأشيب على حماسة الشباب، قد استبعد إمكانية إحداث تغيير حاد في مسار السياسة الخارجية الأمريكية؟ هل ستتمكن هذه الشخصيات القوية من فرض الاستمرار؟ الجواب في رأيي هو لا، لسببين.
حتى حين تميل غريزة أوباما نحو الحذر، مع أن الدليل هو خلاف ذلك، فإن الظروف تستدعي تغييراً جذرياً في موقف أمريكا من العالم. مواصلة طريقها السابق هو بكل بساطة ليس خياراً في وجه التقلبات العميقة في التوازن الجيوبوليتكي العالمي. الانجراف مع الأمواج يعني الارتطام بالصخور.
هذه الفكرة عبر عنها بصورة بليغة زبيجنيو برجنسكي، المستشار السابق للأمن القومي للرئيس جيمي كارتر والسياسي المخضرم للمؤسسة السياسية الخارجية في الحزب الديمقراطي.
حين ألقى برجنسكي محاضرة وايتهيد في تشاثام هاوس في لندن، قال إن أوباما سيتولى المنصب وسط أزمة ثقة عالمية بقدرة أمريكا على ممارسة الزعامة الفاعلة في العالم.
ضع هذه الفكرة فوق ما يطلق عليه برجنسكي "التطوران اللذان يؤديان إلى التحول" على المسرح العالمي، أي صعود القوى العظمى في آسيا، ومجموعة من التحديات العالمية الحرجة تراوح بين انتشار الأسلحة النووية والتغيرات المناخية والفقر، وسترى أن البقاء في وضع المتفرج ليس خياراً. بإمكان أوباما أن يحاول أن يصنع الطقس الجيوبوليتيكي، أو يتعرض لضرباته.
من الناحية اللغوية يبدو عليه أنه يدرك ذلك. هذا الأسبوع أعاد التزامه بأن يضمن بقاء الولايات المتحدة القوة العسكرية الأولى في العالم. لكنه وضع التركيز في ملاحظاته على الحاجة لنشر الطيف الكامل لقوة أمريكا الناعمة.
تعيين أوباما أشخاصا أقوياء في السياسة الخارجية، حين يُنظَر إليه من هذا المنظار، له دلالة مهمة على الطموح أكثر من دلالته على التريث. إذا لم يكن يريد فعلاً إعادة صياغة علاقة أمريكا بالعالم، فإن إحاطته نفسه بلاعبين متمرسين يجعل المهمة أسهل وليس أصعب. لماذا يحتاج الرئيس الذي يريد تغيير الأمور إلى وضع هذه المهمة في أيدي أتباع أوفياء غير متمرسين؟
قال أوباما شيئاً قريباً من ذلك أثناء تقديمه أصحاب التعيينات. امتدح الشخصيات القوية والآراء القوية، لكنه قال: "أرجو أن يكون مفهوماً أنني سأضع السياسة بصفتي الرئيس". فإذا تبين فعلاً أن الإدارة الجديدة تفتقر إلى الإرادة، أو الرؤية فسيكون الإخفاق بسببه هو وليس بسببهم، كما كان الحال مع الرئيس بوش.
كثيراً ما سمعت من يقول إن مسؤولية تدمير رئاسة بوش تقع على عاتق رامسفيلد وديك تشيني، نائب الرئيس. ولا شك أن هذين الشخصين كان لهما تأثير ضار تماماً على السياسة الخارجية الأمريكية. مع ذلك، القرار الأخير كان بيد بوش. وسينطبق الشيء نفسه على أوباما. حسب القول المعروف للرئيس ترومان، المسؤولية الكاملة تقع على عاتق الرئيس.

