يقلب "ساير" الموظف المتقاعد ذو الـ 50 عاما جهاز جواله ليبحث عن مزيد من التهاني ..فلا يجد جديدا .. ينتظر قدوم أحدهم لمجلسه المتواضع الذي يتوسطه صحن حلويات زهيدة الثمن ... فلا يأتي أحد ... يتذكر أنه زار جميع معارفه المجاورين الذين يعدون على أصابع اليد الواحدة وهنأهم بالعيد.. يمل الانتظار ويهز جيبه المثقل بمفاتيح سيارته .... يتجه خارجا، حيث تقوده بوصلته.
يحرك سيارته التي طالما قيل له فيها ما قاله مالك في الخمر، وأنها سبب واجهته الاجتماعية الضعيفة، يئز محركها مندفعا باتجاه مقهى شعبي ويختار لها موقفا رصينا بعيدا عن الأعين، ويختار بدوره ركنا منزويا في المقهى ليطلب شرابا ساخنا، يراقب الأعين والوجوه فيحمد الله أن لا أحد يعرفه هنا" ستكون كارثة اجتماعية لو شاهده أحدهم هنا ".
يعيد النظر في جهاز الجوال كما لو كان يستحثه بالمزيد من الرسائل فلا يجد مجيبا، لماذا هو وجل ؟. سأل نفسه وتذكر أنه أدى صلاة العيد وفعل كل شيء يتوجب على رجل مثله فعله، يتأمل وجوه الحاضرين من بعيد فيرى فيهم قصته، فرادى ومجموعات تئن وجوهمه بالشكوى، وإن علتها ابتسامات المجاملة لبعضهم بعضا، يتأمل الواقع الذي أبعدهم عن أن يكونوا مؤثرين في مجتمعاتهم، فلا هم بأصحاب رؤوس أموا ل، ولا هم بأصحاب مجد قبلي، ولا مناصب حكومية يحتاج لها الآخرون، هم فقط مجموعة ممن لفظتهم مجتمعاتهم لتتركهم أسارى الوحدة والفراغ.
في الجانب الآخر، من المدينة يجهز في هذا الوقت الكثيرين حقائبهم للانطلاق بعيدا، حيث أكثر من سبب للابتهاج، مهرجانات دولية للاحتفالات، كرنفالات غنية البرامج لإغراء السياح بالدفع أو للذهاب برا، حيث الجميع في الانتظار على ولائم الأضاحي التي تجمع في موائدها أغنياء أكثر مما تجمع من الفقراء، كما يعلق ساير وهو يهز " لي الشيشة " حانقا على مجتمعات تنسى ضعفائها.
"لا أحد يعزمني" يقولها "ساير" كتعليق سعودي قديم يقال كسبب لعدم حضور المناسبات الاجتماعية التي تنتظر دائما صائحا يصيح بالجمع أنهم "معزومون" أو مدعوون لتناول طعام الغداء أو العشاء، خصوصا في هذه الأيام التي تكثر فيها إراقة الدماء وتذبح الأضحيات ويجتمع حولها الأقارب والجيران والأصدقاء.
الكثير يصله هذا الصوت الداعي لحضور المناسبات الاجتماعية من خلال الوسائل الحديثة التي يقف الهاتف الجوال في مقدمتها من خلال رسائل نصية أو اتصال مباشر، غير أن "ساير" وكثيرين مثله في العادة يسقطون سهوا من القائمة التي تركز غالبا على أرباب التأثير المادي أو المعنوي، فلا يجد في الانتظار غالبا إلا هذا المقهى الذي يودعه أخيرا ببضع وريقات يلفها في يد العامل مع ابتسامة مغصوبة على "حسن الضيافة".
