الثلاثاء, 6 أكتوبر 2026|23 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

يودع المسلمون عيد الأضحى وينصرف البشر المجتمعون في هذه التظاهرة السنوية إلى أقطارهم، مشحونين بمزيج من مشاعر الشحن الروحي، والتعبئة السلامية، والتدريب على محاربة الشر. كانت التضحية بالحيوان ترميزاً لإحياء ذكرى الإعلان الإبراهيمي قبل أربعة آلاف سنة بالتوقف عن تقديم القرابين البشرية، وتوديع عقلية العالم القديم، في حل المشكلات بالعنف، لذا كان الحج في ترميزه المكثف، تدريباً سنوياً لشحن الإنسان بالروح السلامية، فالمظهر متشح بالبياض، والكعبة أصبحت بيت الله الحرام، فيحرم ممارسة العنف بكل أشكاله وامتداداته، فلا جدال في الحج، الجدال بمعنى التنازع والتوتر، وينعم الجميع ببحيرة للسلام في أرض غير ذي زرع، ويأمن الطير والدواب والإنسان على أنفسهم من العدوان، بعد أن كان الناس يُتخطفون من حولهم، ويمتد السلام من النفس إلى البيولوجيا فلا ينتف الشعر أو تقص الأظافر، وينتهي بتدشين تجربة على ظهر الأرض، سنوية لا تقبل الإلغاء أو التأجيل، للسلام الزماني المكاني، في البيت الحرام من خلال الأشهر الحرم. وعندما دشن إبراهيم عليه السلام هذه التجربة وصمدت خلال آلاف السنين كان يريد تعميم هذه التجربة على ظهر الأرض، في كل الأوقات، لتحول الأرض كلها إلى أرض حرام يحرم فيها سفك الدم وتقديم القرابين البشرية، وتتحول الأشهر كلها إلى أشهر حرم. الحج إذاً احتشاد تظاهرة (الإنسان) لإيقاف تقديم القرابين البشرية، وتدشين السلام العالمي من خلال هذه التجربة الإنسانية الفريدة، التي يتم فيها التدريب سنوياً على استخدام هذه (الأداة) السلمية لحل المشكلات بين بني البشر. عندما يرجع (الإنسان) من مركز الشحن والتعبئة الروحية، والقيام بتدريب سنوي مكرر للجنس البشري للمحافظة على بقعة في العالم تتمتع بالحرمة المكانية الزمانية، من أجل تعميم ونشر ومد هذه التجربة الناجحة في العالم، يمكن نقل هذا الأسلوب الإنساني، ورفع مستوى الخلاف وطريقة حله إلى مستوى إنساني، بتبني الأسلوب السلمي. وقد يتساءل أحدنا ومتى كانت الطريقة السلمية بديلاً عن توازن الرعب المتبادل، فدورات النزاع وجولات الحرب في التاريخ، بقيت بعيدة عن الاستفادة من درس الحج، في ممارسة اللا عنف وتدشين السلام. والجواب على هذا أن هذا الأسلوب الإبراهيمي القديم سيبقى مصدراً للطاقة الروحية، لأنه أداة إنسانية في أسلوب حل المشكلات. ويمكن الاستفادة من هذه (الأداة) في كل حقول الصراع الإنساني، ونتائج مباركة لا تقارن بأسلوب التدمير المتبادل. العنف المتبادل في الصراع الإنساني لا يحل المشكلات بل يزيدها تعقيدا، فهو ينطلق من مغذى من مشاعر الكراهية والحقد، والخوف من الآخر، فيولد مثيله فهذه هي آلية عمل المشاعر، فالحقد يولد الحقد، والكراهية تغذي مثيلها، والدم يفجر الدم، في دائرة صراع تمسك حلقاتها ببعضها بعضا، وتغذي أطرافها المشاعر نفسها، في ساحة لا تسمح إلا بوجود طرف واحد. وفي صورة وأسلوب المقاومة السلمية أو درس اللاعنف من الحج يفضي إلى التوازن وحل المشكلات، لأنها لا تعتمد آلية الكراهية التي ترتد على نفسها بل الحب والتسامح مع الطرف الآخر، وهي صورة مشاركة، فهي استراتيجية تعتمد ترك الهامش أو الباب مفتوجاً في ظهر الآخر. ليس كسر وثني ذراع الآخر بل التقاء الإرادتين في النهاية. ولكن لماذا تعجز آلة العنف عن حل مشكلات النزاع الإنساني وتنجح آلية اللاعنف بشكل مدهش ؟ إن هذا يدفعنا إلى تفهم الآلية السيكولوجية. آلية العنف تعتمد كسر إرادة الخصم، وآلية اللاعنف والمقاومة السلمية تعتمد ليس إلغاء إرادة الآخر، بل اجتماع الإرادتين وتعاونهما. آلية العنف تعتمد مسح الآخر وتهميشه بل وتحطيمه والسيطرة عليه وإلغاءه الكامل،في وهج مشاعر الغضب والحقد والكراهية والانتقام، في ساحة التدمير والدم والقتل والأذية المتبادلة والحرب والنار واللهب والدموع وميادين الحروب بما فيها الأهلية، وآلية المقاومة السلمية تحافظ على الآخر وكل ما تريده هو إيقاظ ضميره.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية