لقد كان الاهتمام ببيت الله الحرام والمشاعر المقدسة وخدمة الحجاج والمعتمرين محط اهتمام ولاة الأمر في هذه البلاد المباركة منذ أمد بعيد، وعلى الرغم من المبالغ الضخمة التي تنفقها الدولة على المشاعر, إلا أنها دائماً تسجل في التاريخ من غير دندنة إعلامية. ولعل ما كشفت عنه وزارة الأشغال أخيراً من مشاريع تطويرية في المشاعر المقدسة مثل مشروع توسعة الساحة الغربية للجمرات وربطها بالمسجد الحرام، وتوسعة سفوح الجبال في مشعر مِنى لاستيعاب أعداد أكبر من الحجاج، وربط جسر الجمرات الجديد بالقطار، ما هو إلا استمرار لنهج الدولة في خدمة الحجاج والمعتمرين. والواقع أن ما يعلن عنه ما هو إلا اليسير مما يعرفه أهل الاختصاص من الهيئات واللجان الرسمية الرفيعة، ومما نحمد الله ـ عز وجل ـ عليه, أن الدولة السعودية لم تستخدم الحج في يوم من الأيام لتمجيد صورتها أو تلميع أعمالها، كما أنها لم تستخدم الحج لأي أغراض سياسية أو اقتصادية على غرار ما يتم في التجمعات البشرية الأخرى. فليس هناك رسوم وليس هناك ضرائب، بل بالعكس فإن الدولة والمحسنين من أهل البلد يدفعون الشيء الكثير لإطعام الحاج وتيسير مناسكه رغبة في الثواب من رب العباد.
والواضح أن التوسعات الحالية والمستقبلية أصبحت قائمة على حلول ورؤى استراتيجية طويلة الأمد وليست حلولا مؤقتة, وهذا هو المأمول ممن يخطط لهذه المشاريع التي يتأثر بها المسلمون في أرجاء المعمورة. ولعل إنشاء الهيئات التنظيمية للمشاعر مثل رئاسة الحرمين الشريفين، وهيئة تطوير مكة والمشاعر، مركز أبحاث الحج، وقوة أمن الحج ليؤكد على الهدف الاستراتيجي للحكومة في تسهيل وتيسير الحج والعمرة لقاصدي البيت الحرام. إن كل ما يجري على أطراف المسجد الحرام من تشييد وما يعلن عنه مستقبلاً من مشاريع إنشائية لواقع لافت للنظر يتضح فيه ضخامة الجهد وسمو الهدف الذي تبذله الحكومة ويشاركه فيها أبناء هذا البلد الذين يتشرفون بخدمة الحجاج.
ولعل من يشاهد هذه الأيام بأم عينه في المشاعر المقدسة التجهيزات والاستعدادات التي تقوم بها الدولة لا يسعه إلا أن يقدر لهذه البلاد حكومة وشعباً الجهود المستمرة طوال العام. ومما يحمد لهذه البلاد أنها تتعامل مع ملايين البشر من مختلفي الثقافات والمستويات التعليمية دون ممارسة أي ضغوط عليهم على الرغم مما تعانيه الجهات الحكومية من بعض الحجاج الذين يخالفون الأنظمة والتعاليم، بل يخالفون الذوق العام في ممارستهم في المشاعر كالافتراش وعدم التقيد بتعاليم السلامة والصحة العامة. ولعل شعار الدولة في ذلك خدمة الحجاج والمعتمرين هو الهدف، وهذا ما دعا الشخص الأول في الدولة إلى أن يتخلى عن ألفاظ الفخامة والجلالة ليعتمد لقب "خادم الحرمين الشريفين" لقباً له يعتز بحمله ويفتخر به.
