الأحد, 11 أكتوبر 2026|28 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

حين كان إتش آر هالدمان رئيساً لموظفي البيت الأبيض في زمن الرئيس ريتشارد نيكسون ، فإنه قال في إحدى المناسبات: "إن كل رئيس يحتاج إلى ابن عاهرة، وأنا ذلك الابن للرئيس نيكسون". وأما رام إيمانويل، عضو الكونجرس عن ولاية إلينوي، والمشاكس الذي تخرج من فمه كلمات نابية في بعض الأحيان، فيمكن تخيله بسهولة وهو يهمهم بكلمات مشابهة لذلك، بعد أن قبل الوظيفة ذاتها من جانب باراك أوباما.

إيمانويل الذي يكتسب الكثير من إيحاءات جوش ليمان، بالغ النشاط وطليق اللسان، في سلسلة الدراما الجناح الغربي The West wing، أو "راهمبو" كما هو معروف في الكونجرس، كان أول شخص يتم تعيينه في إدارة أوباما. ويوصف هذا الرجل من جانب أصدقائه، وخصومه، بأنه موظف ذو رأي مستقل بشراسة، وبالتالي فإن تعيينه يمكن أن يثبت أنه الأهم بين التعيينات.

يقول ديفيد جيرجن الذي سبق له أن كان مستشاراً لعدد من الرؤساء الأمريكيين، بمن فيهم بيل كلينتون، كما أنه الآن أستاذ في كلية جون كينيدي للحكم في جامعة هارفارد: "اختيار إيمانويل يرسل رسالة مهمة للغاية حول نوع الإدارة التي سيديرها أوباما. وهو يعني أن أوباما جاد للغاية إزاء ضرورة تطبيق القرارات التي يتم اتخاذها، إذ إن هنالك قبضة فولاذية داخل غطاء الكفين المخملي الخاص بأوباما".

قبل أشهر قليلة، أوقعت هيلاري كلينتون التي هي كذلك صديقة لإيمانويل الذي عمل كمساعد رئيس في البيت الأبيض، حين كان يشغله زوجها، بعض الأذى، على أوباما حين كررت اتهام منافسها على ترشيح الحزب الديمقراطي لها لمنصب الرئاسة، بأنه "ساذج"، وألمحت إلى أنها الوحيدة المستعدة لأن تكون رئيسة منذ "اليوم الأول". وأخذ أوباما هذه الانتقادات على محمل الجد تماماً، حيث لم تمض سوى ثلاثة أيام على فوزه على جون ماكين، حتى بدأ في معالجة شكوك ممكنة حول كل من هذين الأمرين.

بعد فوزه بيوم واحد، أعلن أوباما عن اندماج بين حملته وفريقه الانتقالي لفترة ما قبل الانتخابات الذي يرأسه جون بودستا الذي كان رئيس موظفي البيت الأبيض على عهد الرئيس بيل كلينتون . قبل 12 ساعة من ذلك، حدد أوباما النغمة في خطابه الأول بعد الفوز حيث قال: "أعلم أنكم لم تفعلوا ذلك لمجرد الفوز في الانتخابات، وأعلم كذلك أنكم لا تفعلون ذلك من أجلي". وكان يخاطب جمهوره في شيكاغو ليلة الانتخابات. وأضاف: "فعلتم ذلك لأنكم تفهمون ضخامة المهمة التي تنتظرنا. بل حتى أثناء احتفالنا هذه الليلة، فإننا نعرف أن التحديات التي يحملها إلينا الغد هي الأعظم في تاريخنا المعاصر، حيث هنالك حربان، وكوكب أرضي في خطر، وأسوأ أزمة مالية خلال قرن من الزمن".

باستثناء الظروف الرهيبة التي ورثها فرانكلين روزفلت عام 1932، أي الكساد العظيم، والنظام الدولي المنهار، فإن أي رئيس مقبل لم يواجه هذا الكم المرعب من الصعوبات الذي يواجهه أوباما. كما أن قليلين من الرؤساء هم الذين أعدوا أنفسهم بهذه القوة للتعامل مع المهام الملحة التي يمكن أن يواجهوها.

نجد هنا، لمرة أخرى، أن آل كلينتون كانوا مصادر لا تنفذ من الإلهام. ولفهم مدى ما استثمره أوباما من وقت للإعداد لفترته الانتقالية الممتدة لعشرة أسابيع، فإن المرء بحاجة إلى أن ينظر إلى الرئيس الذي عمل معه بودستا وإيمانويل بإخلاص شديد خلال التسعينيات، ولكن اسمه لا يظهر بين قائمة مستشاري الرئيس المنتخب.

يعتقد كثير من الديمقراطيين، استناداً إلى معلومات سابقة، أن المخاطر والخلافات التي كانت قائمة في الفترة الأولى من حكم الرئيس كلينتون، كانت ماثلة للعيان، حتى قبل يوم تسلمه مهامه في شهر كانون الثاني (يناير) من عام 1993 . وإذا كان كلينتون رئيساً عبقرياً، وزئبقياً مراوغاً، إلا أنه كان غير منضبط زمنياً. وجرى تبديد معظم الوقت الذي كان من المفروض أن تتم الاستفادة منه من أجل تثبيت صواميل ومسامير إدارة مقبلة، في الصراع الداخلي بين أعضاء حملته الانتخابية الذين تعصبوا لمدينة لتل روك في ولاية أركنساس، وأعضاء فريق عمله الانتقالي الفعال في واشنطن دي سي.

جاءت الأخطاء مكثفة وسريعة، حيث أنفق كلينتون الكثير من رأسماله السياسي، في محاولة، وفشل في تحقيق قبول الكونجرس لمرشحه لمنصب المدعي العام. وتبين أن المرشحين زو بيرد، وكمبا وود، كان يُشغّلان مهاجرين غير شرعين كخدم خاصين لهما. وفي الوقت الذي رشح فيه جانيت رينو لشغل هذه الوظيفة، فإن ذلك الرئيس الشاب المنتخب اكتسب سمعة الرجل الفوضوي.

كانت هنالك أخطاء أخرى مثل ملاحظة حول تجنيد الشواذ جنسياً في الجيش، حيث استطاعت امتصاص الأوكسجين بعيداً عن أجندة كلينتون الاقتصادية الأوسع. ونتج ذلك عن الإخفاق في الإعداد بصورة كافية للفترة الانتقالية. كان على كلينتون أن يعين ثلاثة آلاف شخص، ولكنه افتقر إلى عملية تكفي لفحص كل الأسماء التي تم تقديمها. ولذلك استغرقه الأمر أكثر من عام لتثبيت كل موظفيه في مناصبهم.

يقول بول لايت، الخبير في الفترات الانتقالية للرؤساء في جامعة نيويورك: "ما كان لمثل هذه الأخطاء أن تحدث، لو كانت لديك أنظمة ملائمة لفحص المرشحين، وتخويل أناس آخرين باتخاذ القرارات. وسيرتكب أوباما خطأ كبيراً في البداية، أو حتى أكثر من خطأ كبير، حيث إن ذلك أمر حتمي. ولكن عليك أن تتحلى بمزيد من الثقة بأنه أسس عملية من شانها تقليص الأخطاء".

الاختبار الكبير الأول لاستعداد أوباما كان خلال اجتماعه مع الرئيس بوش في البيت الأبيض بعد أسبوع من فوزه بالانتخابات الرئاسية. أظهر الرئيس المنتهية ولايته إشارات تردد قوية إزاء دعم صفقة حافز اقتصادي ثان لمساعدة اقتصاد ينهار بصورة سريعة، بينما يؤيد أوباما مثل هذه الصفقة. ونظراً لأنه سيظل عضو مجلس شيوخ عاملا حتى شهر كانون الأول (يناير)، فإن أوباما يمكن أن يختار تصميم وتسويق الصفقة بنفسه في دورة الكونجرس الأشبه "بالبطة العرجاء" في الفترة الحالية.

من المحتمل أن تسير أمور كثيرة على نحو خاطئ، حيث يمكن أن يستخدم بوش حق الـفيتو ضد مشروع القانون هنا. كما أن زملاء أوباما المنتصرين في الكونجرس يمكن أن يحشو هذه الصفقة بمشاريع "محاباة المقربين" ذات القيمة الاقتصادية القليلة. أو أن أوباما يمكن أن يعاني من صدام مبكر مع رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي التي يُجادَل بأنها ثاني أقوى شخصية ديمقراطية في الولايات المتحدة.

مع ذلك، فإن الوضع يمنح أوباما فرصة أسابيع رئاسة فعلية لاتخاذ القرارات قبل تنصيبه ظهر يوم العشرين من شهر كانون الثاني (يناير) من عام 2009. ويقول بيل جاستون الذي كان مشاركاً في جهود الرئيس كلينتون خلال فترته الانتقالية، كما أنه عمل معه في البيت الأبيض، "إن كيفية معالجة أوباما لهذه القطع بالغة التعقيد، وستكون مؤشراً مبكراً جيداً للغاية على مهارته في أداء مهامه، كما أنها ستمنحنا كذلك مقياساً حول الكيفية التي سيتعامل بها مع الكونجرس، وهو الأمر الذي يمكن يكون العامل الفاصل في نجاح إدارته".

النموذج الذي لا يعلن عنه لأوباما هو رونالد ريجان، ذلك الجمهوري الذي بدأ الإعداد لمهام الحكم قبل عامين من توليه الحكم، كما أنه كان يخاطب الكونجرس ذا الأغلبية الديمقراطية بلسان حلو من أجل تفعيل البنود الرئيسة في حملته الانتخابية، وأبرزها تخفيضات ضريبية واسعة، وصفقة لتقليص العجز في الصيف التالي لانتخابه عام 1980.

يفيدنا التاريخ الحديث بأن الجمهوريين يميلون إلى فعل ذلك بطريقة أفضل. حتى بوش الذي ألقت حماقاته المتكررة بظلالها على كفاءته الأساسية، تفوق على كل من كلينتون وجيمي كارتر اللذين تحولت علاقاتهما مع الكونجرس الديمقراطي إلى وضع سيئ بصورة سريعة. ويقول جيرجن في هذا الصدد: "العلاقة التي يجب علينا أن نراقبها عن قرب، أكثر من غيرها، هي علاقة أوباما مع بيلوسي. وإذا كان هنالك أي نزاع حول من يجب أن يقود صفقة الحافز، أو ما الذي تحتويه، فإن ذلك سيظهر في علاقتهما".

من المحتمل أن تبرز بعض الاختبارات بصورة موازية وفورية ، حيث إن أوباما أشار بالفعل إلى أنه لن يشارك شخصياً في قمة بوش الاقتصادية العالمية الأخيرة التي يمكن أن تكون قد فقدت أية قوة كانت لديها في الأساس. كما أنه يبدو بالفعل أن مفاوضات الإدارة المنتهية ولايتها مع الحكومة العراقية لوضع قاعدة قانونية جديدة حول وجود القوات الأمريكية هناك، قد أصابها التعقيد بسبب انتخاب أوباما.

قالت الحكومة العراقية، إنها تريد موعداً محدداً لانسحاب القوات الأمريكية من العراق وأن يذكر ذلك في الوثيقة، أي اتفاقية وضع القوات الأميركية التي تنتهي في الحادي والثلاثين من شهر كانون الأول (ديسمبر) . وسبق لأوباما أن تعهد بسحب كل القوات الأمريكية من العراق خلال 16 شهراً من تسلمه منصبه. وربما تؤدي أزمة بين بغداد وواشنطن، قبل تنصيبه، إلى تعقيد تحقيق هدف أوباما. ويقول جالستون: "سيصحو أوباما صبيحة أول يوم من العام المقبل ليجد أن القوات الأمريكية ليست مخولة قانونياً بمغادرة ثكناتها".

في ظل كل هذه الضغوط التي ترخي سدولها على أوباما، فإن هنالك نصيحة واحدة يمكن أن يأخذها عن الرئيس كلينتون، والرئيس الراحل ريجان، حيث إن واحداً منهما فقط أخذ إجازة طويلة بعد الحملة المضنية. وأما الثاني، أي كلينتون، فلم يستطع إلى ذلك سبيلاً. واعترف في فترة متأخرة بأنه كان مرهقاً حين تولى مهام منصبه.

يقول جريجن: "لدي فرضية بأن أوباما سيأخذ إجازة في جزر هاواي، حيث يمكن أن يشارك في ذكرى وفاة جدته". ويضيف "أيا كان التوقيت والمكان، فإن عليه فعل ذلك، حيث إن المرء بحاجة إلى نيل بعض الراحة".

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية