الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الاثنين, 13 يوليو 2026 | 27 مُحَرَّم 1448
Logo

يحتفل المسلمون هذه الأيام بعيد كبير أخذ اسمه من التضحية (عيد الأضحى) والتضحية هنا تتم بالحيوان، وهي ترميز وذكرى لقصة جرت وقائعها قبل أربعة آلاف سنة تقريباً، عندما توقفت التضحية بالإنسان، في صورة قصة إسماعيل عليه السلام، لينقل إبراهيم عليه السلام الدرس لمن بعده بالتوقف عن التضحية بالقربان الإنساني واستبدال ذلك بالحيوان.

ولا يمكن فهم هذا الرمز الكبير ما لم نتشبع بالوعي التاريخي، فتبقى الوقائع بلهاء دون تفسير عندما تنفك عن سياقها التاريخي وجدولتها الكونية؛ فالحدث مفصولاً عن إحداثياته الزمانية المكانية وارتباطاته التاريخية يتحول إلى قطعة ميتة، غير مفهومة، لا تنبض فيها الحياة، وهذه فكرة تأسيسية مهمة؛ فلا يمكن فهم حدث ما، أو تشريع بعينه، أو تقنين لمادة دون سياقها التاريخي...

فكل حدث هو في علاقة جدلية في سلسلة الأحداث، فهو لا يفهم قائماً بذاته، منفرداً لوحده، معزولاً عن سياق الأحداث؛ بل هو في علاقة جدلية مع ما قبله وما بعده، فهو نتيجة لما قبله وهو في الوقت نفسه سبب لما سيأتي بعده. ويجتمع اليوم أكثر من مليوني إنسان في بقعة محددة من الأرض، يعيدون إحياء ذكرى تاريخية، بشكل سنوي مكرر، غير قابلة للتأجيل.

سمة هذا اللقاء أنه عالمي، إنساني، غير عنصري، مفتوح، متعدد الثقافات واللغات والأعراق والجنس؛ فالمرأة تشارك الرجل، والأسود بجانب الأبيض، والصيني حذاء البوسني، والفقير مع الغني، يضمهم ثوب أبيض يلغي جميع الفوارق، من لغة وثقافة وعرق وطبقة، ويعيدهم إلى الأصل الإنساني، مذكراً بدورة المبدأ والميعاد، فمع الميلاد ضم الجسد خرقة بيضاء، ومع الموت يلفه كفن أبيض.

وهذا اللقاء (التعددي) هو سمة أساسية في تركيب الكون القائم على التعددية بدءا من الجينات وانتهاءً بالثقافات، والله خلق الإنسان وأكرمه بالوجود، وصيانة الوجود المستمرة، لم يشأ أن يخلق الوجود لوناً واحداً أو فكراً أحادياً، بل خلق الكون بالأصل على طيف التعدد، ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولكنه لم يشأ؛ لأنه لذلك خلقهم وبرمجهم، صلاحاً ونماء وتقدماً للوجود، من خلال تفاعل التعدد، لصياغة وجود جدلي متنافس للخير، دون هدم وعدوانية ونزاع. والذي يريد توحيد الثقافات والفكر والعقل هو ضد برنامج الوجود.

وهذا التدشين الإبراهيمي، الذي حدث قبل أربعة آلاف سنة مرتبطاً بالانبعاث الحضاري في الأرض، مواجهاً لأعظم حضارتين عرفهما التاريخ يوم ذاك سومر والفرعونية، لا يفهم بدون وعي التاريخ وماذا كان يجري يومها، وما التغيير الذي أدخله إبراهيم على الوعي الإنساني، من حدث مزلزل يقتلع جذور العالم القديم، مقلعاً إلى العالم الجديد، عبر النار واللهب، لتكون بردا وسلاما عليه، لتتحول الذكرى إلى عيد، يجدد ذكراها أحفاده من بعده، ولكن بكل أسف دون الوعي التام لكثافة الرمزية فيه، ليتحول المعنى إلى حركة آلية روتينية تحتاج إلى تجديد الروح الإبراهيمية فيها، بالانتباه إلى خلاص دم البشر بإهراق دم الحيوان، وإنقاذ الإنسان بالتضحية بالحيوان، ولن ينال الله لحومها ولا دماءها.

والواقعة التي حدثت قبل أربعة آلاف سنة تخضع للوعي الانتقائي، والخلفية الثقافية، فيرى فيها البعض حرارة اليقين وصدق الإيمان ـ وهو حق ولكنها نصف الرؤية ـ إلى درجة أن يضحي الإنسان بولده إذا تطلب الأمر، عندما عرض إبراهيم على إسماعيل (عليهما السلام) في روح مشاورة، الأمر الإلهي الذي فهمه من المنام (إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى؟) وتجلت الروح الإسماعيلية بالامتثال والتضحية بنفسه، إذا كان الأمر الإلهي على هذه الصورة (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) وامتثل الاثنان في عملية طمر لعواطف الأبوة من إبراهيم، وإنكار للذات واستعداد للفداء من إسماعيل ، في ذروة مشاعر التسليم للإرادة الإلهية (فلما أسلما وتلَّه للجبين) عندما حدث انعطاف في مسير الأحداث، وتقرير مصير إسماعيل عليه السلام، لإلغاء فكرة القربان البشري، جملة وتفصيلاً من التاريخ الإنساني، وما يقرب إليها من قول وعمل (قد صدقت الرؤيا .... وفديناه بذبح عظيم). والقصة تحمل ثلاثة رموز: عميق الإيمان، والامتثال لأمر الله، وسيطرة فكرة القربان في التاريخ، وقلب التفكير بإيقاف عملية ذبح الإنسان، والتقرب بدمه إلى أي مصدر، في أي صورة من الصور، واستبدال ذلك بالحيوان.

كانت الحادثة إعلانا إبراهيميا أن لا تضحية بالإنسان بعد اليوم. وسيبقى ذبح الحيوان كقربان رمزا لإيقاف كل عمليات التضحية بالإنسان كقربان، ولعل الحرب العراقية - الإيرانية كانت مذبحا أعظم للقرابين البشرية كلفت مليون قربان، وكانت حربا لعل الفائدة الوحيدة فيها ألا تعاد.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية