الأحد, 11 أكتوبر 2026|28 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

استضافت "كاناري وارف"، يوم الاثنين، المصادف للثالث من تشرين الأول(أكتوبر) ، واحداً من أغرب الاحتفالات التي شهدتها هذه الضاحية المالية على الإطلاق.

لم تكن هنالك مشروبات. تعرض القطاع المالي للإهانة في ذلك الصباح، بينما ألزمت الحكومة نفسها بدفع مبلغ 37 مليار جنيه استرليني (58 مليار دولار أمريكي، أو 45 مليار يورو) في إطار تأميم جزئي لعدد من البنوك الرائدة، حيث كان المزاج مكبوتاً، وكانت مادة التسلية هي رقصة طبول يابانية مصممة لطرد الأرواح الشريرة.

أما موقع الحفل، فكان 25 بانك ستريت، الذي كان المقر الأوروبي السابق لبنك ليمان براذرز، البنك الاستثماري الأمريكي الذي انهار. وتوصل بنك نومورا الياباني لتوه إلى توقيع صفقة لشراء مجمل عمليات "ليمان" في هذه المنطقة.

كان ذلك الحدث أمراً لا يمكن تصوره حتى قبل ثلاثة أشهر. وكان مبنى هذا المكتب الجديد اللامع هو محطة التقديم لهذا البنك الذي بلغ عمره 158 عاماً في "وول ستريت"، بينما كان يواصل طموحاته في فتح الفروع باتجاه الشرق، لكي يصبح لاعباً عالمياً. وأما الآن، فهو مكان تقيم فيه مؤسسة مالية شرقية تحرص بشدة على التحرك باتجاه الغرب، بينما تتبع الطموحات ذاتها.

قال كريستيان ميسنر، رئيس عمليات "ليمان" السابق في أوروبا، لموظفي هذا المركز حين انهار البنك قبل أسابيع قليلة "لقد انتهى الأمر". وأما الآن، فإن ميسنر كان يحتفل بتقديم المشروبات مع يوجو إيشيدا، الرئيس الدولي لبنك نومورا، ورئيسه التنفيذي.

إنه صعود للتمويل الشرقي، ونهاية للتشريع والتنظيم الذاتي، وفوق كل ذلك انعدام الحيوية المتدفقة. ومن الصعب تصور لحظة يمكنها أن تجسد بصورة أفضل هذا التحول الذي يشهده الحي المالي لمدينة لندن. فبعد عقود من التوسع الذي لم ينقطع قريباً، حيث حصل الحي على ميزة الشك من جانب الحكومة والمشرعين، أصبح أبرز مركز مالي أوروبي متقوقعاً.

إن وجود هذا الحي المالي في حالة من الفوضى له عواقب بعيدة المدى على الشركات التي تعتمد عليه في سبيل جمع رأس المال، وكذلك على المؤسسات المالية التي تتداول بمليارات الدولار عبر هذه الضاحية المالية لمدينة لندن من جانب المدخرين وأصحاب معاشات التقاعد . ويقول أحد كبار المصرفيين في أحد البنوك الكبرى في ضاحية سكوير مايل المالية: "إن الحي المالي لمدينة لندن يمر بأثر بغيض متخلف من الماضي بعد حفل هائل".

يمكن قياس الأثر المباشر للأزمة الائتمانية على الحي المالي لمدينة لندن من خلال فقدان الوظائف، حيث تراجع عددها من ذروة بلغت 353 ألف وظيفة في العام الماضي، إلى ما ينتظر أن يبلغه عدد الوظائف في هذا الحي المالي بحدود 291 ألف وظيفة خلال عام 2009، حسب معلومات مركز الأبحاث الاقتصادية والشركات.

تقع على الطرف الحاد لهذا التراجع تلك الشركات التي تمثل لب نشاط هذا الحي المالي، أي بنوك الاستثمار، ومتداولو الأسهم، وبيوت الاستشارات التي تعمل كجهات وسيطة بين الشركات الساعية إلى جمع رأس المال، والمستثمرين الباحثين عن الاستثمار.

عدا عن هذا التراجع الواضح، فإن الحي المالي لمدينة لندن بدأ يشهد كذلك بعض التغيرات الهيكلية. والأمر لا يقتصر فقط على أن بنكاً يابانية طموحاً أصبح بديلاً لبنك ليمان في "كاناري وارف"، حيث إن البنكين اللذين قادا ما يسمى "بالسوق الوسطى" أصبحا في ذمة التاريخ.

تقلص "درسدنر كلاينوورت"، آخر تعاويذ بنك كلاينوورت التجاري الجبار الذي تعود جذوره إلى القرن الثامن عشر، وذلك بعد أن تم الاستحواذ على بنكه الأم من جانب "كوميرزبانك" في ألمانيا. وقال المالك الجديد إنه لن يبقي على اسم "درسدنر كلاينوورت" ، رغم أنه مازال بالإمكان بيع هذه العلامة التجارية.

في الوقت ذاته، يواجه بنك ايه.بي.إن امرو، أشد المنافسين في السوق الوسطى تقلصاً شديد تحت ملكية بنك اسكتلندا الملكي الذي اشتراه في العالم الماضي. وكان البنك الاسكتلندي ينوي استخدام بنك ايه.بي.إن امرو كأساس للاندفاع نحو النشاط المصرفي الاستثماري. وتم عكس اتجاه هذه الاستراتيجية الآن بعد عملية إعادة الرسملة التي ترعاها الحكومة.

يمكن القول من زاوية أضيق، إن بالإمكان النظر إلى أزمة الائتمان على أساس أنها تعمل على اتساع اتجاه موجود بالفعل، أي تراجع السوق الوسطى للنشاط المصرفي الاستثماري، بينما توقع فقط أربع ضحايا منتقاة عند الحدود القصوى للأسواق.

غير أن التغيرات التي حدثت لغاية الآن تمثل دليلاً مبكراً على وجود قوى أساسية سوف تعمل على إعادة تشكيل الحي المالي لمدينة لندن خلال العقد المقبل، أي تحول ميزان القوة المالية من الغرب إلى الشرق، وتراجع الرغبة في تحمل المخاطر، والحاجة إلى ما كان يعتقد في السابق بأنه اللاعبون الكبار لكي يصبحوا أكبر.

يقول جون نلسون، المصرفي المخضرم في "كلاينوورت بنسون"، و"لازارد"، و"كريديت سويس"، والمسؤول غير التنفيذي الآن في بنك جي بي مورجان كازينوف: "إذا عدت إلى الوراء لترى ما الذي حدث للحي المالي لمدينة لندن اعتباراً من أواخر الستينيات، فإنك ترى أن التغير كان متطرفاً بصورة حادة، وذا طبيعة تطورية. وأتوقع أن يستمر في تغيير هذا الحي بطرق مفاجئة نسبياً".

التحدي في جوهره بسيط، حيث إنه إذا كان هدف الحي المالي لمدينة لندن هو صنع الأموال من الأموال، فإن المستقبل سوف يتطلب منه العمل أكثر لتحصيل أقل في نهاية المطاف.

يصر المشرعون على أن تصبح البنوك أقل مخاطرة، وأن تحتفظ بحواجز أمان رأسمالية أعلى، حتى بالنسبة للنشاطات ذات المخاطر المتدنية، بينما نجد أن البنوك تخضع لضغوط من أجل تعزيز عمليات المكاتب الخلفية، والاستثمار في الموظفين الذين تكون مهامهم مراقبة موظفي "المكاتب الأمامية" ، والمخاطر التي يقدمون عليها.

يشارك المشرعون في حذرهم المتزايد هذا المجتمع الاستثماري الأوسع. ونظراً لكون المستثمرين يتوقعون مخاطر أعلى، فإنهم يطالبون بعوائد أعلى، وهو الأمر الذي يرفع تكاليف رأس المال بالنسبة للمؤسسات المالية.

ما هي نتائج ذلك؟ لقد أصبحت الشركات التي ازدهرت في عالم غني بالأموال السهلة، أقل ربحية بكثير، أو أصبحت غير مجدية. ويرقى هذا التحرك الجديد إلى كونه زيادة هائلة في تكلفة إنشاء الشركات في الحي المالي لمدينة لندن. وسوف يحابي المؤسسات الأكبر حجماً، ويصبح قوة دافعة باتجاه الاندماج، حتى بين المؤسسات التي يعتقد أنها كبرى.

يقول الآن يارو، رئيس اتحاد البنوك الاستثمارية في لندن، ونائب رئيس بنك درسدنر كلاينوورت: "إن المجال المتاح أمام متوسطي الحجم يضيق ، ولا بد أن تكون ذا حجم كبير حتى تتمكن استيعاب ما يرقى إلى كونه ضريبة غير مباشرة من التشريعات المتزايدة وضرورات التقيد. وهذا أمر حتمي، حيث عليك في هذه الأيام أن تكون أكبر مما كنت عليه في الماضي.

يقول فيليب أوجار، وسيط التداول السابق، ومؤلف كتاب موت الرأسمالية المتحضّرة The Death of Gentlemanly Capitalism الذي يعتبر العمل التطوري الذي يصف تراجع النشاط المصرفي التجاري البريطاني، إن المؤسسات المالية الأكبر هي التي يمكن اعتبارها كبيرة بالفعل في هذا الوقت. ويضيف: "أعيد تعريف الحجم، حيث إن اللاعب ذا الحجم الكبير الآن يعني بنك سيتي، أو بنك بانك أوف أمريكا، أو بنك جي بي مورجان تشيس".

غير أن بعض المراقبين يعتقد أن هذا العالم الجديد يفضل كذلك اللاعبين الأصغر في الحي المالي لمدينة لندن، أي شركات الاستشارة التي تبيع الاستشارات الخالصة فقط، والتي تكون مادتها الخام هي رأس المال البشري، بدلاً عن رأس المال المالي. وبما أنها تجنبت الإقراض، وضمان القروض، على الدوام، فإنها لم تتأثر كثيراً بالثورة التي تشهدها أماكن أخرى. ويقول روجركار، رئيس مجموعة الطاقة في المملكة المتحدة، "سنتريكا"، ورئيس شركة كادبوري شويبس لصناعة الحلويات: "سوف تفضل الأسواق القلاع الكبرى ، غير أن وضع الشركات الصغيرة، كجهات استشارية مستقلة، سوف يتعزز بالتركيز بين كبار اللاعبين. وسوف يكون الحي المالي لمدينة لندن أرضاً خصبة لذوي السمعة المتعلقة بدرجة عالية من الاستقلال والنزاهة".

يثير هذا الأمر سؤالاً حول من هو الذي سوف يحتل المساحة التي أخلاها أمثال بنك درسدنر كلاينوورت وبنك ايه.بي.إن لتقديم المشورة للشركات متوسطة الحجم، وصنع الأسواق بأسهمها، وتقديم الأبحاث الاستثمارية المشتركة. وقد أثبتت أنها أكبر من أن تكون من اللاعبين الصغار، وأصغر من أن تتمتع باقتصادات الحجم الكبير.

إنها شريحة صعبة في هذه الصناعة، غير أن البعض يعتقدون أنها يمكن أن تكون هدفاً للمؤسسات غير المصرفية التي يمكن أن تضم شركات التدقيق والاستشارات الكبرى. ويقول أوجار في هذا الصدد: "إن صناديق التحوط، وشركات الأسهم الخاصة، يمكن أن تصبح البنوك الاستثمارية المستقلة الجديدة. وكان من أكبر المصرفيين على صعيد العلاقات خلال السنوات ال 15 الماضية ، جون ستودزنسكي، حيث يعمل الآن لدى صندوق بلاكستون كمستشار للاستحواذ والاستيلاء الشرائي".

في كل الأحوال، فإن الصورة المستقبلية للحي المالي لمدينة لندن تبدو أقل تنوعاً. وسوف يكون لذلك أثر على الزبائن الذين يمكن تقسيمهم بصفة رئيسة إلى فئتين هما عملاء الاستثمار الذين يتداولون بالأوراق المالية، مثل السندات، والأسهم، وعملاء الشركات الذين يستخدمون الحي المالي لمدينة لندن لجمع رأس المال، وللحصول على المشورة المتعلقة بعقد الصفقات.

مكاتب التداول في البنوك الاستثمارية سوف تتحول إلى ممارسة مهمة جمع المشترين مع البائعين وتوفيق أمورهم. ربما يبدو ذلك شبيهاً بالعودة إلى النشاط العملي المعتاد. غير أن الواقع هو أنه خلال العقد الماضي، ازدادت رغبة البنوك الاستثمارية في العمل كنظراء مباشرين لصفقات عملائهم، وهم على ثقة بقدرتهم على إيجاد طرف مشترٍ ثالث ٍ لأخذ المركز فيما بعد.

سوف تتقاضى البنوك رسماً أعلى مقابل ذلك. وتعتبر شركة التأمين في المملكة المتحدة، "ليجال آند جنرال"، من بين أكبر المستخدمين لنشاطات وخدمات الحي المالي لمدينة لندن، حيث يبلغ نشاطها التجاري في إدارة الاستثمارات 300 مليار جنيه استرليني تدار لصالح عملاء تجزئة وشركات، كما أن نشاطها في مجال التأمين على الحياة، والتقاعد، يتضمن إدارة مليارات من الجنيهات الاسترلينية في صورة موجودات ومطلوبات.

يقول تيم بريدون ، الرئيس التنفيذي لهذه الشركة: "كنا نتمتع بعقد صفقات بمعدل 250 مليون جنيه استرليني للصفقة. وأما اليوم ، فلا يمكنك أن تحصل على مثل هذه الأمور، حيث سوف تكون تكلفة رأس المال أعلى، كما أن توفر رأس المال المطلوب لدعم التداول سوف يكون أقل. فإذا أردت شراء سند أ، وبيع سند ب، أو التداول بالأسهم، فإن ذلك سوف يكلفك أكثر".

هذه التكلفة المتداولة للتداول هي تكلفة مباشرة لصناديق التقاعد، ومن المنتظر أن تجعل مديري الاستثمار يفكرون مرتين قبل إجراء تغييرات في المحافظ الاستثمارية لعملائهم. غير أن ذلك يمكن ألا يكون أمراً سيئاً إذا كان يعني كذلك أنهم يفكرون بصورة أشد حرصاً فيما يتعلق باستراتيجياتهم الاستثمارية طويلة الأجل.

هنالك كذلك عواقب على العملاء من الشركات. وكانت أوضاع الحي المالي لمدينة لندن في العقد الماضي لا تستثني إمكانية تمويل أي صفقة بوسائل عديدة. وكانت البنوك الاستثمارية تسارع لربط مواردها بضمان القروض، حتى بالنسبة لأكبر عمليات جمع المال. وأما في المستقبل، فإنه سوف يكون لدى الشركات عدد أقل من مؤسسات ضمان القروض، وإن كانت بحجم أكبر لتختار أياً منها، حين تقوم بجمع رأس المال.

يقول كار إنه يجب عدم المبالغة في التغييرات، معلقاً بذلك على الدعم التفضيلي الذي يراه لإصدارات الحقوق الكبرى التي أطلقتها "سنتريكا" في الفترة الأخيرة. ويضيف: "الأمر المثير للاهتمام هو أنه خلال كل الاضطرابات، فإن أساسيات العملية لا تزال جيدة ومتماسكة. وكان يمكن قبل الأزمة أن تكون هنالك طرق متعددة للحصول على التمويل. وأما الآن، فإن من المحتمل أن تكون تلك الطرق تقلصت. غير أن العملية الأساسية جارية".

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية