الخميس, 22 أكتوبر 2026|10 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

قبل نحو 30 عاماً بدأت وظيفتي الأولى مراسلا لمجلة "تايم" في بناية فيشر Fisher Building في ديترويت. وكانت أعجوبة الفن المزخرف المطلي بالذهب تنتصب عبر الشارع قبالة المقر الرئيسي لجنرال موتورز. وخلال الأسابيع القليلة الماضية، عندما بدأ رؤساء شركات السيارات التوسل طلباً للأموال الفيدرالية، وجدت نفسي أفكر في تلك الأيام الماضية.

في الثمانينيات تعاونت في تأليف كتاب حول صناعة السيارات، وتحديداً حول التماس كرايسلر مبلغ مليار دولار على شكل ضمانات قروض فيدرالية. وجعلتني الفترة الزمنية أتساءل حول السبب الذي جعلني أعتقد أن إنقاذ كرايسلر في المرة الأولى كان يبدو منطقياً، ولماذا أعتقد الآن أن توقعات المساعدة الفيدرالية المكثفة في يومنا هذا ستكون طريقة مخيفة لاستهلال فترة رئاسية جديدة.

كانت عملية إنقاذ كرايسلر عام 1980 استثماراً جيداً قصير الأجل بالنسبة لدافع الضرائب الأمريكي. وتم تسديد القروض قبل سبع سنوات من موعد استحقاقها، وصاحبها مبلغ 800 مليون دولار من الأرباح. غير أن الإنقاذ كان خلاصاً مؤقتاً، ولم يعالج المشكلات الأساسية في صناعة السيارات. وينبغي على أي سياسي أمريكي يتساءل ما إذا كان يجب سكب الأموال في شركة جنرال موتورز، أو فورد، أن يدرس المشكلة المعروفة باسم بريتش ليلاند British Leyland.

اعتماداً على وجهة نظرك، من السهل أن تلقي اللوم في سقوط صناعة السيارات الأمريكية على الإدارة، أو النقابات، أو عيوب نظام الرعاية الصحية، أو الحكومة الفيدرالية. وكل من هذه الجهات تتحمل بعض المسؤولية، غير أن هذا يدعو إلى التساؤل حول ما الذي يلزم أن يحدث من أجل تغيير الأمور رأساً على عقب.

استغرقني الأمر بعض الوقت لأدرك عدم منطقية الضوابط التى تلزم الشركات بالاقتصاد في الوقود (ما يطلق عليها معايير كافيه Café) التي دفعت شركات صناعة السيارات الأمريكية إلى إنتاج سيارات أصغر حجماً وأكثر كفاءة في استهلاك الوقود. وفي حين أن معايير كافيه عاقبت ديترويت، إلا أنها لم تفعل شيئاً على الإطلاق لتشجيع المستهلكين الأمريكيين على شراء السيارات الصغيرة. ولم يجرؤ أي سياسي أمريكي ـ خصوصا أي شخص نظر إلى أصوات الكلية الانتخابية الـ 121 ـ على القول إن البنزين رخيص الثمن ليس حق أمريكا بالميلاد. وبحسب قيمة الدولار حالياً، بالكاد تحرك سعر البنزين في الولايات المتحدة منذ أواخر السبعينيات.

إننا كدولة عشنا بأكثر من الوسائل المتاحة لنا، ولا يبدو ذلك واضحاً في أي مكان أكثر من مضخات البنزين ـ حيث يظهر تماماً مدى انحلالنا الوطني. إن مستقبل ديترويت، والمعركة من أجل مستقبل الاقتصاد الأمريكي، والجهود كي نفطم أنفسنا عن ثدي النفط الأجنبي، والمحاولات لتنظيف هوائنا، جميعها مرتبطة في النهاية. وما عليك سوى أن تتخيل فقط ما سيبدو عليه أسطول السيارات الأمريكية هذه الأيام لو أننا منذ الحرب العالمية الثانية ـ أو حتى منذ عام 1980 ـ توقفنا لحظة قبل أن نملأ خزانات الوقود في سياراتنا. وفي 1999 مثلا، بينما كنا سعداء بسعر البنزين آنذاك، 1.26 دولار للجالون، كان الألمان يدفعون 3.62 دولار، واليابانيون 3.26 دولار. وليس من المدهش بناءً على ذلك، أن شركات التصنيع اليابانية، أو الألمانية، أو الكورية أصبحت تتقن إنتاج المحركات والسيارات الأصغر حجماً والأكثر كفاءة في استخدام الوقود ـ لم يستطع زبائنهم تحمل تكلفة قيادة سيارات أكثر عطشاً إلى الوقود.

قدمتُ الحجة المؤيدة لفرض ضريبة معتبرة على البنزين إلى عدد من السياسيين، لكن كان عليَّ أن أواجه واحداً يرغب في مناقشة الفكرة بجدية. وبدلاً من ذلك، وفي وقت أقل من الزمن المستغرق لتشغيل السيارة، فإنهم يقولون إن هذا سيكون غير عادل للأمريكيين من ذوي الدخل المتدني، وإنه آخر ما تحتاج إليه بلاد في حالة ركود.

على أية حال، على السياسيين أن يوضحوا سبب عدم وجود بديل سوى أن ندفع المزيد لقاء البنزين. وعليك أن تتذكر أن متوسط ضريبة البنزين في أمريكا 0.49 دولار للجالون، في الوقت الذي يباع فيه جالون البنزين بأكثر من ثماني دولارات في أوروبا. وإذا تم، مثلا، فرض ضريبة رسم فيدرالي مقدارها ثلاثة دولارات على كل جالون من البنزين (ربما بوجود ائتمان ضريبي بالنسبة للأمريكيين الأدنى دخلاً) ستكون هناك صعوبة ما، لكن الولايات المتحدة ستكون أحسن حالاً بنصف تريليون دولار سنوياً، وستنخفض واردات النفط، وستشذب ديترويت الطاقة التشغيلية الزائدة، وسيكون لديها حافز دائم لتحويل إنتاجها إلى السيارات الصغيرة ـ ربما تشمل حتى السيارات الأكثر كفاءة في استهلاك الديزل الذي يشكل نحو 50 في المائة من بعض الأسواق الأوروبية، مقارنة بنحو 4 في المائة في الولايات المتحدة، وسيضمن أن يكون موضوع الحديث حول كل طاولة في البلاد.

إنني شخصياً أعارض عمليات الإنقاذ، لأنها مجرد تعبير عن وجود دولة في حالة من الإنكار. وإذا سمعنا في 20 كانون الثاني (يناير) أن باراك أوباما يطلب من كل أمريكي الانضمام إليه في المعركة المؤلمة من أجل تغيير بلادنا، بالقيام بتضحية مكلفة وملموسة في كل مرة نشتري فيها جالون من البنزين، عندها يكون لدينا سبب فعلي للأمل.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية