أصدرت جلوبل "بيت الاستثمار العالمي" تقريرا عن توقعاتها الاقتصادية للمنطقة والتي أكدت فيه أن التقييمات الحالية تشكل فرصة ممتازة على الأمدين المتوسط والطويل للمستثمرين الذين يتمتعون بفلسفة استثمارية حصيفة، مؤكدة أنه من غير الحكمة القيام بعمليات بيع على المستويات السعرية الحالية لأن التوقعات المستقبلية تميل بقوة إلى جانب الصعود، فعندما يصل السلوك غير العقلاني للمستثمرين إلى نهايته وتبدأ عودة المستثمرين الأجانب إلى أسواق المنطقة، سيكون بمقدور المستثمرين الذين لديهم مزيج مناسب من الاستثمارات في محفظة متنوعة بالشكل الملائم، أن يستفيدوا من موجة الصعود المتوقعة ويحققوا عوائد إيجابية على رؤوس أموالهم المستثمرة.
وكررت "جلوبل" توقعاتها بأن المستثمرين الأجانب سيعودون بقوة إلى أسواق المنطقة خلال النصف الأول من عام 2009، ليزيدوا الطلب على الاستثمارات في الأسهم، حيث سيسعى مديروا الأصول وغيرهم من المستثمرين المؤسسين إلى الاستثمار في الاقتصادات القوية (مقارنة بأسواقهم الأم) والتي توفر مستوى عال من الاستقرار الاقتصادي ومجالاً للنمو إضافة إلى مرونة كبيرة في مواجهة الأزمات العالمية.
وقال التقرير: لقد وثّقت أدبيات العلوم المالية وبشكل جلي حقيقة أن المتعاملين في السوق خلال الأوضاع المالية غير الطبيعية، سواء خلال الفقاعات أو الأزمات، يميلون إلى فقدان الإحساس بالقيمة، ويبدأ حدوث انحرافات كبيرة عن القيم العادلة للأصول وتستمر لفترات أطول مما هو متوقع في النظريات المالية التقليدية.
ففي الأزمات المالية، تبدأ مجموعة مختلفة من العوامل بدفع الأسواق، وهي عوامل لا تكون موجودة عادة خلال الأوضاع الاعتيادية. حيث تسود خلال تلك الأوقات مستويات مرتفعة من عدم اليقين والعزوف الحاد عن المخاطر، إضافة إلى ضغوط كبيرة على السيولة، مما يؤدي إلى ضغوط على أسعار جميع الأسهم، من دون اعتبار لكون هذه الأسعار مبالغاً فيها أو أقل من قيمتها العادلة. وتنشأ خلال مثل تلك الأوقات العديد من الفرص بالنسبة للمستثمرين ذوي الخبرة والملاءة المالية الجيدة، وتصبح الأسواق بيئة خصبة لنشاطات الدمج والاستحواذ.
إضافة إلى ذلك، فإن بيئة أسعار الفائدة السلبية السائدة تستدعي المزيد من التركيز على الاستثمار في فئات الأصول التي توفر حماية وتحوطاً طويل الأمد (مثل الأسهم) في ظل تدهور القيمة الشرائية للنقد، حيث تحقق الأصول النقدية وأدوات السوق النقدي عوائد أقل بكثير من معدل التضخم. وعلى سبيل المثال، حقق صندوق جلوبل للشركات الخليجية الرائدة عائدا سنويا مركبا بلغ 16.7 في المائة خلال الفترة ما بين 2005 و 2007، ليتفوق هذا الصندوق بذلك على مؤشر الأداء بمعدل 1.5 في المائة سنوياً، محققاً عائداً سنوياً حقيقياً بلغ 12 في المائة خلال الفترة ذاتها.
في ضوء الأزمة المالية العالمية، بدأت جهات عديدة بالتساؤل حول مدى قدرة اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على البقاء قوية، وعلى مواصلة مسار نموها. وتعتقد جلوبل أن المنطقة تتمتع بقاعدة اقتصادية متينة مع أساسيات جوهرية قوية. فقد قام صندوق النقد الدولي أخيراً بإصدار تقديرات معدلة لمختلف المؤشرات الاقتصادية ولمختلف دول العالم، حيث تم إجراء تخفيض كبير في التوقعات السابقة لنمو الاقتصادات الأكثر تقدماً في العالم، وذهب تقرير صندوق النقد الدولي إلى حدّ القول بأن الكثير من تلك الاقتصادات سيشهد ركوداً في الربع الأخير من هذا العام وفي عام 2009، في حين أن هناك اقتصادات أخرى ستحقق معدلات نمو طفيفة جدا. وطبقاً لتقرير التوقعات الاقتصادية العالمية لصندوق النقد الدولي والذي نشره الشهر الماضي، بلغ نمو مجموع الناتج المحلي الإجمالي المقدر للاقتصادات المتقدمة مجتمعة 0.1 في المائة. وبالمقارنة مع ذلك، فإن التوقعات الخاصة بنمو الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة الخليج، وعلى نطاق أوسع لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لعام 2009 مازالت قوية، حيث تقدر بمعدل 6.6 في المائة و 5.9 في المائة، على التوالي. وهذا ما يضع المنطقة على قمة منحنى النمو للأسواق الناشئة الأخرى، مما يعكس مرونتها في وجه الأزمات الخارجية، حتى بالمقارنة مع الأسواق الناشئة.
ومن الخصائص الاقتصادية المميزة للمنطقة ذلك الدور المتزايد للاستهلاك الخاص في تنامي وتحفيز النشاط الاقتصادي، والذي يلقى دعماً قوياً من التوقعات بنمو حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى 5 في المائة لعام 2008 (مقارنة مع 3 في المائة في أوائل هذا العقد الأول من الألفية الجديدة)، مما يعكس صعود وعمق الطبقة المتوسطة كقوة دافعة للاستهلاك في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وحيث إنه من المتوقع للتضخم أن يعتدل في الربع الأخير من عام 2008 وخلال عام 2009 (من المتوقع له أن ينخفض بالنسبة لدول الخليج من 11,5 في المائة إلى 10 في المائة، وبالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من 14.4 في المائة إلى 12.7 في المائة في عام 2009)، وهذا من شأنه أن يعيد تحفيز الإنفاق الاستهلاكي بعد أن شهد تباطؤاً مؤقتاً هذا العام، كما سيخفف من آثار انخفاض صادرات المنتجات السلعية.
ومازال من المتوقع لعرض النقد بمفهومه الواسع في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن يظهر نمواً قوياً ليصل إلى 21,6 في المائة في عام 2009، الأمر الذي سيكفل توافر السيولة الكافية لتمويل مشروعات البنية التحتية وخطط التوسع. ونعتقد أن النظم المالية في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أكثر متانة بكثير من مثيلاتها في الدول المتقدمة والدول الناشئة الأخرى، وذلك بفضل ضآلة تعرضها لمخاطر الأسواق العالمية والأصول العالية المخاطر، والأهم من ذلك تركيزها على الأنشطة المصرفية الأساسية مع تطبيق معايير ائتمانية رصينة. وهذا ما يتجلى بوضوح من خلال انخفاض معدل القروض غير العاملة (وخاصة في دول الخليج) مقارنة بأسواق العالم الأخرى. وإضافة إلى ذلك، فإن من المقدر لإجمالي فوائض الحساب الجاري لدول الخليج أن تبلغ 368 مليار دولار أمريكي في عام 2008 و 312 مليار دولار في عام 2009، وهذا بدوره يكفل أيضاً توافر السيولة الكافية، ويجعل تأثير الأزمة الحالية في الإنفاق الحكومي ضئيلاً جداً.
ورغم أن أسعار النفط قد شهدت انخفاضاً حاداً من أعلى مستويات لها بلغتها في وقت سابق من هذا العام، إلاّ أنها مازالت أعلى إلى حدّ معقول من المستويات المقدرة في الميزانيات العامة. فالواقع هو أن متوسط سعر برميل النفط المقدر في ميزانية السنة المالية 2008/2009 لدول الخليج هو 47 دولارا أمريكيا للبرميل.
وتكمل "جلوبل" إذا نظرنا إلى مدى أطول، نرى أن الشرق الأوسط يختزن حصة تزيد على 60 في المائة من الاحتياطيات النفطية العالمية المؤكدة، وتبلغ 742 مليار برميل، وهذه الاحتياطيات، إذا ما تم تقييمها بسعر 50 دولارا أمريكيا للبرميل، فهذا يعني ضمنياً أن هناك ما يزيد على 37 تريليون دولار أمريكي من التدفقات النقدية المستقبلية التي مازالت متاحة لاغتنامها من قبل اقتصادات المنطقة في المستقبل. وهذه التدفقات النقدية تعادل في الواقع نحو 88 في المائة من القيمة الرأسمالية للسوق العالمية كما في نهاية أيلول (سبتمبر) 2008.
وتبلغ احتياطيات العملات الأجنبية حالياً أعلى مستويات تاريخية لها في معظم دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وحتى خارج منطقة الخليج، مثل الأردن ومصر والمغرب، الأمر الذي يزيد من قوة وضعها الاقتصادي ويجعلها أكثر قدرة على تجاوز وتخطي الأزمة الحالية.
وفضلاً عن ذلك، شهد الهيكل الاقتصادي لدول المنطقة (وخاصة دول الخليج) تغييرات جوهرية متلاحقة، فالعوائد النفطية الوفيرة الناشئة عن الطفرة في أسعار النفط خلال السنوات الأربع الماضية (حيث سجل سعر النفط معدل نمو سنوي مركب بلغ 32 في المائة خلال الفترة من 2004 إلى 2007)، قد تم استخدامها بصورة أكثر حكمة من قبل الدول المصدرة للنفط في المنطقة، مقارنة بالطفرات النفطية السابقة (كتلك التي شهدتها في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي). وهذا ما انعكس على شكل تزايد الاستثمار الداخلي في القطاعات غير النفطية، ليتحسن بذلك مستوى تنويع هذه الاقتصادات. وهذا ما يتضح بجلاء من خلال نمو الناتج المحلي الإجمالي للقطاع غير النفطي في منطقة الخليج بمعدل نمو سنوي مركب بلغ 7,8 في المائة خلال الفترة ما بين 2004 و2007، في حين نما القطاع النفطي بمعدل 3,2 في المائة فقط. وإضافة إلى ذلك، فقد خطت المنطقة خطوات واسعة من حيث تطوير الأطر الرقابية والتشريعية، وتعزيز مبادئ الإدارة الرشيدة (حوكمة الشركات) والتي تزيد أيضاً من كفاءة اقتصاداتها وبيئة العمل فيها.
وقد انعكس كل ما ذكر أعلاه، على شكل موجة من رفع التصنيفات الائتمانية السيادية وتصنيفات الشركات في معظم دول الخليج، مما يبرز التوقعات الاقتصادية القوية والأوضاع المالية والنقدية المتينة لهذه الدول. ولذا تعتقد "جلوبل" أن التوقعات الاقتصادية للمنطقة ستبقى قوية، وأن تأثير الأزمة المالية العالمية سيظل محدوداً ويسهل احتواؤه.
