الحج الركن الخامس من أركان الإسلام وهو اللقاء الإسلامي العالمي السنوي لجميع المسلمين من مختلف بقاع الأرض, يلتقي فيه المسلمون من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق ومن الشمال إلى الجنوب, هذا الملتقى الذي يتم بمن يصل منهم إلى مدينة مكة المكرمة أو من يتابعهم من المسلمين وغير المسلمين في بقاع المعمورة, والإعلام المرئي اليوم أصبح أداة لنقل ثقافات وحضارات المجتمعات وأصبح المحرك لفهم المجتمعات بعضها بعضا, والحج أصبح قبلة لوسائل الإعلام تنقل من خلالها ما يدور في المشاعر المقدسة من عبادة وسلوك حضاري, ووسائل الإعلام على مختلف مشاربها واتجاهاتها تبحث عن الإثارة, وبعضها إن لم يكن أغلبها, يبحث عن تصيد الأخطاء والثغرات ومنها ما يعانيه الحجاج من ازدحام وافتراش الطرقات واكتظاظ في مواقع المرافق والخدمات وغيرها مما يقدم للحجاج وفق خطة تعتمد بشكل أساسي على العدد المتوقع من الحجاج ومتطلباتهم من الإسكان والنقل والإعاشة والمرافق والخدمات.
لقد تحملت وتشرفت حكومة المملكة العربية السعودية بخدمة حجاج بيت الله الحرام وعملت على راحتهم وحسن استقبالهم وتسخير كل الإمكانات اللازمة لجعل الحج رحلة آمنة مريحة وأضفى ملك المملكة العربية السعودية شرف خدمة الحرمين الشريفين على لقبه وأطلق عليه لقب خادم الحرمين الشريفين اعتزازا بهذه المسؤولية العظيمة وكل من يعمل معه هم خدم لخادم الحرمين الشريفين, وهذا فضل من الله ومنة أن يعمل الجميع على خدمة ضيوف الرحمن.
إن إطلاق حكومة خادم الحرمين الشريفين ممثلة في إمارة منطقة مكة المكرمة وبتوجيه كريم من وزير الداخلية حملة توعوية تشاركها فيها وزارة الحج ومختلف القطاعات الحكومية والأهلية, هذه الحملة التي حملت شعار (الحج عبادة وسلوك حضاري) تهدف إلى إظهار الوجه المشرق والحضاري للمجتمع الإسلامي عامة دون تمييز بين شعوبه وأفراده. الحج عبادة, وهذا ما جاء من أجله من استطاع إليه سبيلا سواء بالقدرة المالية أو الجسدية أو التنظيمية, وسلوك حضاري يعكس ما يجب أن يكون عليه المسلم في تعامله مع أخيه المسلم في أقدس بقاع الأرض من حسن الإيثار والتعاون والتسامح والمودة, لا يسرقه ولا يشتمه ولا يضايق عليه في حقه, ومن ذلك الحق ألا يعتدي على مكان إقامته أو طريقه أو ما يقدم له من خدمات, ومن هؤلاء من يأتي إلى الحج من دون تصريح.
إن الناظر إلى ملايين المسلمين وهم يقفون خلف الإمام بطريقة منتظمة يتابعونه في ركوعه وسجوده حتى لو أخطأ في الصلاة, فإنهم لا يخالفونه ولكن ينبهونه, هذا الانضباط الإنساني الإسلامي الحضاري المتميز يتغير بنسبة 100 في المائة بعد أن يقول الإمام السلام عليكم ورحمة الله حيث يتحول ذلك الانضباط الحضاري المتميز إلى شيء من الفوضى غير المبررة فتجد القوي لا يرحم الضعيف, ولا الصحيح يرأف بالمعوق ولا الرجل بالمرأة, وتراهم جميع يخرجون من المسجد أو تراهم في رجمهم أيام الحج أو في حركتهم بين المشاعر لا يراعون ذلك الانضباط الذي مارسوه خلال أداء الصلاة.
لقد جاء شعار (الحج عبادة وسلوك حضاري) كرسالة تواصل بين أهل مكة المكرمة وضيوفها تحاول من خلاله تجسير الفجوة بين السلوك وقت الصلاة وبعدها, هذا التوجه جاء ضمن رؤية أمير المنطقة للمنطقة عندما أعلنها خلال لقائه أهل مكة المكرمة, والتي حددها في الاهتمام بتطوير أدوات العمل وجودته من خلال الاعتناء ببناء الإنسان سلوكا وتعاملا من خلال التدريب والتأهيل واستقطاب الكفاءات وتوطينها والاهتمام بتنمية المكان من خلال توفير المرافق والخدمات ورفع مستوى البيئة العمرانية واستكمال تنفيذ المشاريع المختلفة وتطوير شبكات الطرق والنقل بما يخدم سكان منطقة مكة المكرمة وضيوفها, خصوصا القادمين للحج والعمرة, هذه النظرة التنموية التي أكدت أهمية مفهوم "القوي الأمين". إن الأخذ بهذا المفهوم الإداري التنموي يتطلب العمل بشكل جاد ودؤوب نحو جعل مكة المكرمة الإنسان والمكان في مصاف المجتمعات المتقدمة والمتطورة سلوكا وتعاملا, ولعل لنا في مجتمعات بعض دول الغرب والشرق مثل ألمانيا واليابان وماليزيا وكوريا وغيرها من دول العالم التي أعادت بناء إنسانها وخرجت به من دول التخلف إلى دول التقدم ولم تضع العراقيل التي تجعلها تضعف عن تحقيق ذلك.
الحج عبادة وسلوك حضاري يحمل أيضا توجهه نحو احترام تطبيق الأنظمة ومنها أهمية الحصول على تصريح للحج وفقا لما تم اعتماده من خادم الحرمين الشريفين وما أكده العلماء الشرعيون من أن الحصول على تصريح الحج يمنع ما يصاحب الحج من مشكلات تسيء لسمعة وعطاء وجهد حكومة المملكة وما تقدمه من مشاريع عملاقة لخدمة ضيوف الرحمن. ولقد أكدت الدراسات التي أجريت خلال الأعوام السابقة أن الحجاج الذين يأتون من داخل المملكة وبعض دول الخليج العربي يزيد عددهم على مليون حاج, هذا العدد يربك خطط وبرامج الجهات القائمة على تقديم الخدمات للحجاج, كما أن الطاقة الاستيعابية للمشاعر المقدسة محدودة وموزعة على مختلف بعثات الحج الداخلية والخارجية مما يضطر هؤلاء المخالفين لأنظمة الحج إلى افتراش الطرقات أو مشاركة الحجاج النظاميين مساكنهم, وبهذا ترتفع الطاقة الاستيعابية للمساكن في المشاعر فوق قدرتها, ما يؤدي إلى تذمر الحجاج النظاميين, خصوصا القادمين من الخارج ويرفعون شكواهم لدولهم وللمملكة ويعرضونها على قنوات التلفزيون وفي الصحافة ويكلف بعضهم محامين يرفعون قضايا ضد المملكة وبعضهم يلجأ إلى منظمات وهيئات حقوق الإنسان بسبب ما يعانونه من تقصير في الخدمات, هذا التقصير الخارج عن إرادات المؤسسات الحكومية والأهلية السعودية بسبب مخالفي نظام وإجراءات الحج.
إن حرصنا جميعا, مواطنين ومقيمين ومسؤولين, على دعم تطبيق الأنظمة ومنها منع الحج دون تصريح وعدم التعاطف معه أو تسهيل دخوله سيجعلنا جميعا نفرح بالإنجاز وتقديم أفضل الخدمات لضيوف الرحمن وأعتقد جازما أن من يسيء للأنظمة ويخالفها فإنه يسيء لضيوف الرحمن ولنفسه ولدولته وعليه أن يتحمل العقاب النظامي, كما يجب عدم التهاون أو التقليل من أهمية احترام النظام والالتزام به لأنه شعار من يريد العالمية, اللهم وفق كل من يعمل من أجل وطن سعودي الانتماء, عربي اللسان, إسلامي المعتقد, عالمي الطموح.
