من بين العديد من الظروف التي فرضت على "كرايسلر" من قبل واشنطن في إطار برنامج الإنقاذ الذي نفذ في 1979، يقال إن لا شيء أثار حنق الرئيس التنفيذي لشركة تصنيع للسيارات، لي أياكوكا، أكثر من اضطراره إلى بيع طائرة الشركة الخاصة.
ربما يجد رؤساء "جنرال موتوروز"، "فورد موتور"، و"كرايسلر" أنفسهم مضطرين إلى تقديم التضحية غير المحببة ذاتها، إذا كانوا يأملون في إقناع الكونجرس بتقديم 25 مليار دولار في شكل تمويل عاجل لشركاتهم المتعثرة.
مثل هذه الإيماءة يمكن أن تقابل بالتقدير من قبل سياسيين شجبوا بقوة رؤساء شركات السيارات الثلاثة، ألان مولالي في "فورد"، روبرت نارديلي في "كرايسلر"، وريك واجونر في "جنرال موتورز"، أثناء جلسات الاستماع التي عقدت هذا الأسبوع لعدم سفرهم إلى واشنطن على متن طائرة تابعة لشركة طيران تجارية.
ومع ذلك، التدابير المطلوبة لإنقاذ شركات ديترويت الثلاث لتصنيع السيارات يمكن أن تكون غير مستساغة عقليا بدرجة كبيرة بالنسبة لنواب الكونجرس، مع احتمال معاناة الأيدي العاملة في قطاع تصنيع السيارات جراء فقدان آلاف الوظائف وحالات إغلاق المصانع.
ومنح زعماء الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ ومجلس النواب، شركات ديترويت مهلة زمنية أقل من أسبوعين، حتى الثاني من كانون الأول (ديسمبر)، لصياغة "خطة قابلة للتطبيق"، حسب تعبير نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب.
وقالت بيولسي الأسبوع الماضي: "إلى أن تتوافر لدينا خطة توضح جوانب مسؤولية صناعة السيارات، وخطة أخرى قابلة للتطبيق حول كيفية استشرافها للمستقبل (...) لا يمكن أن نقدم لهم الأموال المطلوبة".
لكن العواطف التي استثيرت جراء استخدام الطائرات الخاصة للشركات لتوصيل رؤساء شركات تصنيع السيارات الثلاثة إلى واشنطن، تدل على أن السياسة والرمزية أكثر من الجوهر، ستكون ضرورية لتشكيل جزء كبير من الخطط التي سترفعها شركات تصنيع السيارات إلى الكونجرس.
وأسلوب الصياغة يمكن أن يعكس بشكل جيد التصريح المتفائل الذي أصدرته "فورد"، والتي مركزها المالي أقل عرضة للمخاطر من بين الشركات الثلاث، وذلك في إطار ردها على طلب الكونجرس: "لدينا خطة قوية ستساعد على استمرارية عملية تحويل فورد إلى شركة نحيفة ومربحة لديها القدرة على توفير المنتجات الجديدة عالية الطراز وذات الكفاءة من حيث استهلاك الوقود التي يرغبها ويقدرها عملاؤنا".
إن تحقيق تلك الأهداف، حتى بالنسبة إلى الأفضل مركزا من بين الشركات الثلاث، سيتطلب تناول دواء مُرّاً. ويقول جورج بيترسون رئيس الشركة الاستشارية "أوتوباسيفيك" التي تتخذ من كاليفورنيا مقرا لها: "يجب على الشركات تصحيح أحجامها وتخفيض نقطة التعادل إلى مستوى يمكّنها من تحقيق الربح عند أحجام أدنى كثيرا".
ويضيف جو فيلبي، وهو مستشار مقيم في جيرسي: "يبدو أن السياسيين يريدون الضغط في اتجاه إنشاء نوع من التوحيد". لكن مثل هذا العمل ينطوي على إغلاق المصانع، عدد أقل كثيرا من العمالة، وربما أجور ومزايا مالية أدنى بالنسبة إلى ما سيتبقى من العمالة.
وألغت شركات تصنيع السيارات الأمريكية 150 ألف وظيفة خلال الأعوام الخمسة الماضية، وصدرت خلال الأشهر الأخيرة إعلانات بتخفيض الإنتاج بحيث يشمل ذلك إغلاق مصانع وتقليل نوبات العمل.
وتضمنت عقود العمل التي أبرمت العام الماضي هيكل أجور من طبقتين يتم بموجبهما دفع أجور لعمال مصنع التجميع الجدد يعادل نصف أجور العمالة الموجودة حاليا، إضافة إلى مزايا مالية أقل.
لكن تعيين عمالة جديدة هو آخر ما يتبادر إلى أذهان شركات تصنيع السيارات في إطار انشغالها بمراجعة نوبات العمل وإغلاق المصانع، ما يتركها تعاني جراء العمالة عالية التكلفة ذاتها التي كانت تعمل لديها قبل حصولها على تلك التنازلات.
ومن جانبها لا تبدي نقابة عمال السيارات المتحدة سوى رغبة ضئيلة لتقديم التضحية المطلوبة.
إن الخطة القابلة للتطبيق تتطلب إجراء تخفيض حاد في عدد شبكات وكالات بيع السيارات. وبحسب بيترسون: "جنرال موتورز كيان ضخم لديه علامات تجارية أكثر من اللازم وطرازات عديدة". ولدى "جنرال موتورز" و"كرايسلر" مجتمعتين نحو ضعف حصة "تويوتا" في السوق الأمريكية البالغة 18 في المائة، لكن لديهما مجتمعتين شبكة وكالات بيع أمريكية أكبر بمعدل سبعة أضعاف مما تملكها منافستهما اليابانية.
لكن وكلاء البيع – العديد منهم لديهم علاقات جيدة ونافذين سياسيا – يتمتعون بحماية قوانين الامتياز التجاري (الفرنشايز) الاتحادية الصارمة.
بمقدور شركات تصنيع السيارات التعهد بإنتاج مركبات أكثر كفاءة من ناحية استهلاك الوقود، لكن مثل هذه التقنية تأتي مصحوبة بأسعار عالية. ويقول فيليبي إن أهداف ترشيد استهلاك الوقود التي رسمت العام الماضي، الرامية إلى تحقيق تحسين بنسبة 40 في المائة بحلول 2020، تنطوي على "أعباء مالية باهظة للغاية".
ويقترح أحد المشاركين في إعداد برنامج إنقاذ "كرايسلر" عام 1979، كخطوة أولى، أن تقترح شركات تصنيع السيارات إجراء تحقيق حول قدرتها على الاستمرار بواسطة خبير يعين من قبل الدولة.
وبافتراض أن يخلص التقرير إلى أن الوضع غير قابل للإنقاذ، فإن ذلك سيمهد السبيل إلى تقديم تنازلات من قبل نقابات العمال ووكلاء البيع الذين ستكون الخيارات الأخرى بالنسبة لهم مستساغة عقليا بدرجة أقل كثيرا جدا.
وعوضا عن إملاء تفاصيل استراتيجياتها، يمكن لشركات ديترويت الثلاث الاقتداء مجددا بأنموذج "كرايسلر" عن طريق اقتراح عملية مراقبة مستقلة لعملياتها.
ومهما كان نوع الآلية التي سينفق عليها، لا بد أن هناك بعض المشكلات غير المتوقعة والصعبة التي ستبرز لاحقا.
وعلى الرغم من أن "كرايسلر" باعت طائرتها الخاصة في أوائل الثمانينيات، فإن إياكوكا – الذي لا يشعر بأي وخز للضمير بشأن تخفيض راتبه اسميا إلى دولار واحد سنويا – يواصل السفر المترف بواسطة طائرة مستأجرة. وكانت "كرايسلر" مضت قدما في الاستحواذ على "جلف ستريم"، شركة تصنيع الطائرات الخاصة للشركات عام 1995، وباعتها بعد أربعة أعوام دون أن تربح سنتا واحدا.

