الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 7 مايو 2026 | 20 ذُو الْقِعْدَة 1447
Logo

يا هيئة السوق لقد عيل صبري أما عيل صبرك؟

محمد آل عباس
الجمعة 21 نوفمبر 2008 1:59

يقال إن قبيلة كان فيها عدد من الفرسان ومعهم شيخ هرم حكيم, وذات يوم اعتدت عليهم قبيلة مجاورة وقتلت كلب راع لهم – فقط، فلم يهتموا للأمر ورأوا أن الموضوع لا يستحق التصعيد، لكن شيخهم الكبير قال بصوت أجش أثرت فيه الشيخوخة اقتلوا "ذباح الكلب" فقالوا: شيخ هرم يريد أن يقحمنا في حرب, فلا تسمعوا له. بعد حين أُعتدي عليهم مرة أخرى وسرقت شياه لهم، فلما تشاوروا عند شيخهم قال اقتلوا "ذباح الكلب"، فقالوا ذاك أمر وهذا آخر فردد مقولته وسكت. مرت أيام ليُعتدى عليهم ثالثة وتسرق منهم بعض الإبل فأعاد عليهم شيخهم مقولته "اقتلوا ذباح الكلب" قالوا له تالله إنك لفي ضلالك القديم. فلما أُعتدي على بعض محارمهم قرروا تشديد الحراسة واستكمال الحدود وأجمعوا الحرب قال لهم شيخهم لقد سلمتم لو أنكم "قتلتم ذباح الكلب". بعيدا عن العنف الذي احتوته القصة فإن مغزاها واضح, فالقرار الصحيح يحتاج إلى شجاعة رأي وعزيمة تنفيذ.

منذ أكثر من سنة وسوق الأسهم السعودية ترزح تحت رحمة أربعة مليارات ريال، انتعشت الأسواق المالية العالمية وارتفعت أسعار البترول وحققت الشركات السعودية أرباحا قياسية وبقيت أربعة مليارات تراوح مكانها، قلب الاقتصاد العالمي علينا ظهر المجن وبدت عليه علامات الركود بينما ظلت الأربعة مليارات تلعب بالسوق السعودية. أجمع المحللون والباحثون والدارسون والممارسون على أن السوق السعودية غير مرتبطة بالأسواق العالمية فلا يغرنكم الانهيار الحالي فالأربعة مليارات تصول فيها وتجول. لن أكرر الأسئلة العقيمة فقد سئمتُ منها وسئمت هي مني بل أقول لو إنك يا هيئة السوق ومنذ انهيار شباط (فبراير) 2006 أوقفت "ذباح السوق" بدلا من ذبح السوق نفسها لما وصلنا إلى هذه الحال. لقد كانت ردة فعل الهيئة عنيفة عندما وصلت السوق إلى 20 ألف نقطة، واليوم تبدي اللامبالاة والسوق تقترب من إعلان إفلاسها.

لم يعد هناك حل سحري لأزمة السوق الحالية ولكن نحتاج إلى أن "نقود" عملية تصحيح ذاتية من السوق نفسها، لا بد من تدخل سلمي وليس تعسفيا كما حدث قبل انهيار شباط (فبراير) 2006. لكن في الوقت الذي تدافع فيه دول العالم عن أسواقها لدينا من يطلب عدم التدخل. إن من يطالب بذلك إنما يرتكز على النظرية الكلاسيكية التي تلغيها الأزمات، ففي الأزمات لا توجد قواعد ولا أيديولوجيات ومن يصر على غير هذا فعليه أن يدفع الثمن كما دفعته الولايات المتحدة في أزمة الكساد التي استمرت ست سنوات ولتقتنع بعدها بالتدخل المحفز وتكسر القاعدة. لا بد من تدخل يدفع السوق نحو الثقة وعودة الروح إليها.

كما قررت الهيئة وبناء على لوائحها أن تتدخل في السوق لتوقف ارتفاعها عام 2006 عليها الآن ـ وفقا لتلك التفسيرات أيضا- أن توقف هبوطها, وعليها أن تقنع الجميع بأن المضاربة مفيدة كما هو الاستثمار وأن التطرف في الأمرين سيقودنا إلى إتلاف أموالنا. على الهيئة أن تعدل من نسب التذبذب كما عدلتها عام 2006. وكما تراجعت عن الريال كوحدة تغير في السعر عليها أن تقبل التراجع اليوم عن الوحدات الصغيرة التي أقرتها أخيرا شركة تداول فلم تحقق هدفها حتى الآن وهو جلب السيولة للسوق بل العكس حدث.

يجب أن نحفز المضاربة فهي السوق. لقد اتفقت مؤسسة النقد وشركة تداول والهيئة على السوق المالية بقرارات عنيفة جدا سعت جميعها إلى هدف نبيل وهو تعزيز الاستثمار وحصر المضاربة وقد آتت هذه القرارات ثمارها المستهدفة وتراجعت مكررات الربحية بشكل رائع جدا ومحفز هائل للاستثمار. لكن أين المستثمرون؟ لا معنى لسوق استثمارية ليس لديها مستثمرون. نظريا نتحدث دوما عن الاستثمار والمضاربة كأمرين منفصلين لكن عمليا من الصعب قراءة الفروق. عمليا المستثمرون هم المضاربون والفرق يكاد لا يذكر. ما فائدة السوق المالية إذا لم تحقق لي ميزة بيع استثماراتي حالا؟ يجب ألا نتوقع من مستثمري السوق المالية انتظار عوائد الشركات سنويا فقط ولو أن الأمر بهذا الشكل لما أصبح للسوق والتداول اليومي معنى. لماذا تفتخر الهيئة وشركة تداول بالتقاص اليومي السريع في السوق وأنها بذلك أفضل بكثير من بعض دول العالم ومنها اليابان، ما معنى هذا إذا كنا نحارب المضاربة بكل هذا العنف؟ عندما أستثمر أموالي في شركة عوائد فيجب ألا يتوقع أحد مني البقاء في سهم الشركة بانتظار تلك العوائد السنوية بل سأقرر يوما أن أبيع السهم بقيمة "عادلة" ومعنى "عادلة" أنني أستدعي كل العوائد الممكنة والمتوقعة في المستقبل وأبيعها اليوم وذلك بالتأكيد وفقا لأفضل المعلومات المتاحة لدي. هذا ما يجعل السهم يحقق ارتفاعا (عوائد رأسمالية). تحدث عمليات المضاربة على السهم إذا اختلفت تلك التوقعات حول العوائد أو في لحظات عابرة على الأسواق المالية يحدث اختلال في التقييم الصحيح للسهم وهذه المواسم التي لا يمكن التنبؤ بها هي شهد الأسواق المالية. لكن إذا هبطت الأسعار بشكل حاد دون مستوى القيمة العادلة – قيمة أفضل التوقعات عن العوائد المستقبلية – فإن أحدا لن يبيع وسننتظر العوائد وبذلك نتحول جميعا إلى مستثمر طويل الأجل – معلق في السهم. ما محصلة هذا؟ التوقف الاختياري للسوق يا عزيزي. ومن سيبقى في السوق؟ مجرد مضاربات هامشية بقيمة أربعة مليارات تحاول أن تستفز مستثمرا صغيرا جديدا ليصبح في زمرة المعلقين, وعندها ياعيل صبره.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية