القادمون الجدد إلى المدن الكبيرة في الهند سيعتادون على تجربة الضياع بشكل يائس في شوارع غير مرقمة ومخططة عشوائياً. ويقتضي إيجاد وجهة المرء في العادة، سؤال أي شخص في الشارع ـ بائع خضراوات، أو حارس أمني، أو أحد المشاة المرتبكين ـ إلى أين يجب أن يذهب.
وتحديد موقع منزل في ضاحية سكنية يمكن أن يشكل محنة أيضاً. فالبيوت مرقمة بنظام فوضوي من الحروف والأرقام غير مرتبة في أغلب الأحيان بشكل تسلسلي.
يقول فيكرام لال، الرئيس السابق لـ "إيتشر" Eicher، المجموعة المتمركزة في دلهي، المعروفة بشاحناتها ودرجاتها النارية التي تحمل علامة رويال إينفيلد Royal Enfield: "ثمة شوارع عديدة للغاية في دلهي لا تحمل اسماً، وحتى لو كانت تحمل، فإنها غير مستعملة".
مع ذلك، رأى لال فرصة للعمل في المكان الذي رأى فيه الآخرون الفوضى فقط. ويعتبر هو القوة الدافعة وراء خرائط إيتشر، التي نشرت عام 1996 أول أطلس شامل لشوارع دلهي.
إن أطلس دلهي أكثر تفصيلاً من أطلس شوارع لندن "أيه تو زد A-to-Z"، ويبلغ عدد صفحاته أكثر من 200 صفحة، ويرسم خريطة المدينة وصولاً إلى البيوت المختلفة. ويعتبره العديد من السائقين لا يمكن الاستغناء عنه للتجول في أرجاء دلهي.
أما لال، وهو من سكان المدينة الأصليين، فإنه يعرف مباشرة الإحباط الذي يعاني منه المرء عندما يضيع. وترسخت فكرة خرائط إيتشر في منتصف السبعينيات، عندما قاد وزوجته السيارة في شوارع دلهي لحضور حفل عشاء. وبقي الاثنان يدوران حول ضاحية ديفينس كولوني Defence Colony المألوفة، لكنهما لم يستطيعا أن يجدا مقصدهما.
يقول لال: "تمتلك زوجتي حساً دقيقاً للاتجاهات، لكننا لم نستطع إيجاد هذا المنزل تحديداً. كنا نجد أرقام المنازل التي تسبقه، وتليه. استمر هذا الأمر ساعة، ثم أصابنا اليأس، وعدنا إلى منزلنا".
بعد هذه التجربة المحبطة، أقسم لال أن يضع يوماً ما خريطة لدلهي لإنقاذ الناس من هذا "المصير المماثل". وبعد دراسة الفكرة لعدة سنوات، طلب مساعدة إس إم شادها، وهو مساح عام متقاعد، ليبدأ برسم خريطة المدينة عام 1993. وبدأت تلك الجهود في شكل هواية فقط عندما كان لال رئيس مجلس إدارة إيتشر موتورز Eicher Motors، إحدى أكبر شركات صناعة الشاحنات في الهند.
لدى إيتشر حالياً وحدة صغيرة تنشر الخرائط وأدلة السياح. ويجني عمل الخرائط قرابة 93 ألف دولار على شكل أرباح من العوائد التي بلغت 548 ألف دولار العام الماضي. ويعتبر ذلك مجرد قطرة في وعاء مقارنة بعوائد إيتشر موتورز التي بلغت أكثر من 600 مليون دولار العام الماضي ـ ورغم ذلك فإنها تحقق هدف لال البسيط المتمثل في تحقيق التوازن واسترداد رأسماله المستثمر.
وتبع نشر خريطة دلهي الأطالس ذات الرموز الملونة لمومباي، وشيناي، وبانغالور. وتبيع إيتشر ما بين عشرة آلاف و15 ألف أطلس شوارع مقابل نحو 5 ـ 7 دولارات لكل نسخة، إلى جانب خمسة آلاف خريطة مطوية سنوياً.
وفي حين أن الخرائط تتيح للناس التجول في أرجاء مدنهم ـ وهو مفهوم يعتبر أمراً مسلماً به في البلدان المتطورة ـ إلا أن عادة استخدامها جديدة نسبياً في الهند.
أمضى لال سبع سنوات في ألمانيا في الستينيات للدراسة والتدريب في مجال الهندسة الميكانيكية، وأصبح معتاداً على استخدام الخرائط لمعرفة طريقه أثناء التجوال في المدن الغريبة. وكان التناقض واضحاً عندما عاد إلى الهند.
يقول لال: "مثل أي شخص آخر يعود إلى الهند من الولايات المتحدة أو أوروبا، ليجد أنه لا سبيل للتجول في أي مكان دون سؤال الناس، وكان الأمر محبطاً للغاية".
يشتري الزوار نحو نصف مبيعات خرائط إيتشر. ويقول لال: "إن أي شخص جاء من الولايات المتحدة، وأوروبا، واليابان، يجب أن تكون لديه خريطة. والهنود الذين يسافرون إلى الخارج يريدون العودة واستخدام الخرائط. ثمة انقسام واضح بين من هم زبائننا".
بالنسبة لأولئك غير المعتادين على استخدام الخريطة، والتسجيل المفهرس بالترتيب الهجائي لنحو 15 ألف طريق، وضاحية، وبناية، ومستشفى، ومواقع أخرى مهمة، فإن خرائط إيتشر تشتمل على إرشادات أساسية حول "كيف يمكنك أن تستخدم هذا الكتاب". ورغم ذلك، فليس من السهل ترويج المفهوم للسائق العادي في الهند. وتعتبر مبيعات خرائط إيتشر متدنية نسبياً مقارنة بآلاف السائقين الجدد الذين يخرجون إلى الشوارع. ويقول لال: "سائقو الشاحنات لا يقرأون الخرائط".
ما بدا هواية برهن على أنه مشروع جانبي مكلف، ويحتاج إلى عمالة كثيفة. وفي عام 1993، أجرت إيتشر مسحا لدلهي، وجمعت البيانات باستخدام "جيش كامل من الناس قاموا بالبحث الميداني"، حسبما يقول لال، مضيفاً: "في تلك الأيام لم يكن لديك جوجل إيرث وكانت مهمة شاقة للغاية".
كان على الأشخاص في الميدان التحقق من مواقع الشوارع الصغيرة، ومواقف الحليب وصهاريج المياه. وانتفخت الميزانية المبدئية التي كانت تبلغ نحو 24 ألف دولار لتصبح قرابة 85 ألف دولار.
أقنع النجاح الفوري لأطلس دلهي في 1996 لال بأن يوسع مشروع الخرائط ليشمل مدناً وفروعاً أخرى، إلى أدلة السياح. لكن لأنه لم يكن من الممكن توقع المبيعات، قررت إيتشر في 1998 أن تبدأ بأخذ عقود من حكومات الولايات لنشر الأدلة المحلية. وابتكرت أيضاً أدلة للمسح الأثري للهند.
على الرغم من الحاجة الماسة لإبحار أفضل على الطرقات الهندية، بقيت خرائط إيتشر عملاً صغيراً، ومشروعاً مدللاً إلى حد كبير. وكان لال يعبث بفكرة تطوير خدمة نظام تحديد المواقع عالمياً. غير أن الطابع الفوضوي للشوارع الهندية – حيث يقوم السائقون دائماً بالرجوع عكسياً عند المنعطفات، أو يقودون على طول الخطوط الفاصلة ضد حركة السير – لا ينطبق بشكل جيد مع توجيهات نظام تحديد المواقع عالمياً.
يقول لال: "عليك أن تعرف إلى أين تذهب السيارات، وأين يمكن أن تستدير. ولا يمكنك أن تدع السائق ينتهي في خندق".
التحدي الآخر يتمثل في النمو السريع للمدن الهندية. فالطرق الجديدة، والضواحي المنتفخة تغير المشهد العام. ويشير لال إلى أن إيتشر نشرت في العام الماضي خريطة لنويدا، وهي ضاحية تنمو بسرعة إلى الشرق من دلهي، غير أن الخريطة أصبحت الآن عتيقة الطراز. ويقول لال: "توسعت المنطقة وامتدت، وتنمو المدن بشكل سريع للغاية. وكان الأمر مخيفاً إلى حد ما".

