في يوم غير بعيد، كنت جالسة على كرسي طبيبة الأسنان أتلقى معالجة لإحدى قنوات الجذور العصبية، فقالت لي: "أنت تعملين لدى الفاينانشال تايمز، لذا لابد أنك تعرفين ماذا يحدث للاقتصاد. فهل يجدر بي أن أكون قلقة؟"
لم أتمكن من الإجابة لأن نصف وجهي كان مشلول الحركة بفعل مخدر موضعي، وكان في فمي إسفين خشبي إلى
جانب لساني الغليظ، وأنبوب شفط المياه، ومثقاب عالي السرعة، ويد امرأة.
لكن حتى مع عدم وجود كل ذلك، ما كان لي أن أجيب على ذلك السؤال نظراً إلى أنه ليس لدي أدنى فكرة عن الأمر.
عموماً، من المخجل ألا يكون لدى المرء فكرة عن أشياء يتلقى الأجر مقابل أن يعرفها. ولكن في تلك الحالة لم أشعر
بالخجل: حيث بدا هز الكتفين بصمت الرد المشرّف الوحيد على سؤال طبيبة الأسنان.
لا أحد منا، ولا حتى الخبراء، لديه أدنى فكرة عما سيؤول إليه الأمر. قبل أسبوع كنت في حفل عشاء مع اثنين من
الاقتصاديين البارزين. وصرّح أحدهما بأن الأمر عبارة عن صعوبة محلية: أزمة بنوك، تاركةً باقي الاقتصاد دون
تغيّر نسبياًَ. بينما قال الآخر: هراء، إن التأثير الاقتصادي سيكون عسيراً، رغم أنه ليس كارثياً. وفي آونة متأخرة من
تلك الأمسية، أدرت التلفزيون لأرى جوزيف ستيجليتز يقول إن الأمر سيكون أسوأ مما كان عليه في عام 1929،
ويلوّح روبرت بيتسون، محرر في مجال الأعمال في قناة بي. بي. سي، بذراعيه بقلق ملحوظ مكرراً كلمة "كساد".
على مدار الأشهر القليلة الماضية، كان الاقتصاد في وضع يشابه ذئب كرتون الأطفال "وايل إي كويوت" حين يتجاوز
حافة المنحدر، بينما يستمر في الركض بشراسة في الهواء.
ولكن ما يحدث لاحقاً غير واضح، حيث يمكن لفرع شجرة أن يلتقط أسفل معطفه، مانعاً إياه من السقوط بعيداً. أو قد
يسقط، لكن رغم ذلك يمكنه الوقوف مجدداً بعين كرتونية ملطخة بالسواد، وبكثير من الرضوض، ولكن لا يزال على
قيد الحياة.
بينما كان الاقتصاد يجري في الهواء، حدث أمر آخر يبدو أن أحداً لم يلحظه، حيث انهارت سوق أخرى، وبالتالي
وضعت حداً لواحدة من أطول المضاربات التصاعدية على الإطلاق. حدث الانهيار بفعل هراء الإدارة. فخلال
الأسابيع الثلاثة الماضية لم أتلق رسالة إلكترونية واحدة سخيفة، أو دعوة سخيفة للالتحاق بدورة تدريبية في مجال
الإدارة ترتكز على دراسة القبائل القديمة. لا نظريات غبية، ولا أشجار الاستراتيجية، ولا رطانة جديدة في
الإدارة، ولا تفاهة من أي نوع.
ومنذ أن بدأت بمراقبة الأمور قبل 15 عاماً، لم أشهد من قبل مثل هذه الندرة في
البلاهة.
بدأت الإنطلاقة الثورية في هراء الإدارة قبل 26 عاماً تقريباً مع نشر كتاب "في البحث عن التميّز" – In
Search of Excellence.
حثّ الكاتب على حركة كاملة من المرشدين الروحيين، والدجالين، أدت بالمديرين إلى
التفوه بأمور مثل "نحن في حاجة إلى رفع بهجة الزبون بقسوة"، وكأن الأمر يحمل طابع الحس السليم تماماً.
لم تتصرف سوق الهراء كالأسواق الأخرى. في العادة، حين تفور الأسعار إلى حدٍ كبير يكون هنالك تعديل. ولكن
في هذه السوق، حددت الدورة مرة تلو الأخرى، معتقدةً بأن الأمور أصبحت سخيفة للغاية، بحيث يتحتم على المنطق
أن يعمّ في المستقبل القريب.
حتى الآن لم تظهر سوق الهراء أية علامة للرد على الركود.
إن تسريح العمال على نطاق واسع في الولايات المتحدة في فترة الثمانينيات شجع عليها، مولداً لغة التقليص، والفكرة المحايدة معنوياً لإعادة هندسة الأمور.
إذن، ما الشيء المختلف هذه المرة؟ الأمر لا يتعلق بالمال، أو نقص المال فقط، رغم إنه جزء
منه. وإن هراء الإدارة مكلف. وحين لا يكون هنالك مال، فلن يكون هنالك حس منطقي كبير في إرسال طاقم بأكمله
لحضور دورة على مدار يومين ليتعلموا دروساً في الإدارة، لنقل، لـ كينج لير، أو أتيلا ذي هن.
أما العنصر الآخر، فهو الخوف. إذا كنت تحارب من أجل البقاء، فإن تركيزك يتمحور حول أمور أساسية. فأنت تريد
الوضوح؛ بينما بدع الإدارة نمت بقوة التشويش. وخلال الأسابيع القليلة الماضية كانت اجتماعات الشركات أقصر،
وتستهدف المغزى بصورة مباشرة أكثر ممّا كانت عليه قبل عقود، ولم يعد هنالك تساهل مع الادعاءات الفارغة.
مع مرور الوقت، سيعود المال، وسيتلاشى الخوف، وحاجة الإدارة إلى التكلم بطرق غير مفهومة ودون جدوى
ستعيد نفسها.
من المغري التنبؤ بعودة صناعة هراء الإدارة مجدداً قبل أن تتمكن المصرفية الاستثمارية من ذلك. ولكن حين تعود،
قد لا تكون كما كانت عليه، حيث ولّت أيام التألق: اُستهلكت أفضل أفكار الإدارة. وأغلبها جاءت عن بيتر دركر منذ
زمن بعيد، ولابد أن يكون هنالك حد في كيفية تكرارها.
ولم تكن هنالك بدع جيدة خلال الأعوام القليلة الماضية. وبالفعل، فإن صناعة الهراء تبدو مماثلة لصناعة موسيقى البوب. وكانت إدارة الجودة الشاملة مرادفة لفرقة رولينج ستونز: قوية مع ثبات السلطة. وتُعتبر البدع الحديثة، مثل
إدارة الولاء، مرادفة لبرنامج هيرساي، الذي هو ثانوي، وقديم بعض الشيء، وتلاشى قبل حتى أن يسمع به الناس.
لدي مشاعر مختلطة بشأن انهيار الهراء. فلابد أن تكون عودة الحس المنطقي أمراً يستمتع به كل عامل، وكل
مستثمر. ولكن بالنسبة لي شخصياً، فإن الأمر مصيبة. فأنا أحقق أسباب عيشي بالسخرية من هذه الأمور؛ ودونها
يمكن أن أجد نفسي فوق كومة من الخردة.
أما الآن، فسألجأ إلى الإجابة عن السؤال الأقل أهمية لطبيبة الأسنان: هل يجدر بها أن تكون قلقة؟
الإجابة هي "ليس تماماً". لا توجد دورة اقتصادية في تسوس الأسنان أو قنوات الجذور. وهنالك سوق للأمور
الرائعة التي يقوم بها أطباء الأسنان الآن، أس تجميل الأسنان الأمامية، والتلبيس، والزراعة، وما إلى ذلك. ولكن
يمكن أن يكون ذلك مضاداً للتقلبات الدورية: فإذا كان الاقتصاد ينغمس في كساد حقاً، فسيكون الرد المنطقي حتماً
هو الاستثمار في فم مليء بالأسنان ناصعة البياض ليحقق الإنسان البهجة لنفسه.

