قبل نهاية القرن الماضي بدأت موجة المصطلحات التي عبرت إلى ثقافة كل الشعوب لتجد لها موقعا لدى الخبراء والمختصين والمحللين والكتاب، بل القراء على اختلاف تنوع اهتماماتهم. لقد أصبحت تلك المصطلحات ترمز إلى ثقافة عصرية ومتابعة لمجريات الأحداث الدولية، وفي الواقع أنه لا أحد يعرف بالضبط منشأ تلك المصطلحات التي اقتحمت عالم الاقتصاد السياسي، فهل كانت الجامعات ومراكز البحث العلمي والمنظمات الدولية منشأ تلك المصطلحات السياسية والاقتصادية، أم أنها ولدت على شفاه السياسيين المؤثرين في سير قطار الاقتصاد العالمي؟ ولكن المؤكد أن الاتفاقيات الدولية والتعليمات الإلزامية للمنظمات السياسية والاقتصادية ووثائق المحاورات والنقاشات في المؤتمرات الدولية, قد تضمنت تلك المصطلحات وعززت من دورها في التعبير عن الأفكار العظيمة بعبارات موجزة.
لقد استقبل العالم موجة المصطلحات وتعامل معها ولم يلبث سوى عقدين من الزمان أو أقل حتى انكشف أنها مجرد مصطلحات وعبارات لم تلامس الواقع، فالنظام الدولي الجديد ومكافحة الفساد والنزاهة والشفافية والإفصاح وتحرير التجارة وغير ذلك من العبارات, لم تكن سوى أماني أو صور مثالية يحاول العالم أن يقترب منها، ولكنه لم يحقق من مضمونها شيئا، فالأزمة المالية التي اجتاحت الأسواق وقوضت الثقة وتسللت إلى النفوس أصدق من يتحدث عن فاعلية تلك المصطلحات التي زالت وبسرعة عن المخيلة كما تزول المساحيق عن وجه حسناء أجهدت نفسها للتزين للناظرين. ولأن المضمون هو الأهم مع بقاء الاعتبار المحدود للإطار الخارجي، فإن استعادة الثقة في كفاءة المؤثرين في حركة دولاب الاقتصاد العالمي تبدأ من تحويل تلك المصطلحات إلى إجراء يعطي الحلول لأزمة يشترك العالم في نتائجها السيئة، منها فقدان الثقة في الأفكار الخلاقة التي يقدمها مفكرو الاقتصاد الذين تتجاوز أطروحاتهم حدود بلدانهم وأسواقها إلى تكوين ثقافة مشتركة ينطلق منها العالم في إدارة منشآته واستثمار مدخراته.
عودة إلى الوراء عام 1974 أعلنت الأمم المتحدة، من خلال الجمعية العامة، إقامة نظام اقتصادي دولي جديد ينطلق من روح ميثاق الأمم المتحدة ومقاصده ومبادئه الرامية إلى تيسير النهوض الاقتصادي لكل الشعوب، مبني على الإنصاف وعلى ترابط الدول واشتراك مصالحها وتعاونها بصرف النظر عن نظمها الاقتصادية والاجتماعية، ويكون من شأن هذا النظام تصحيح الفروق وإتاحة رأب الشقة المتسعة بين الدول المتقدمة والنامية وكفالة الإنماء الاقتصادي والاجتماعي المطرد وكفالة السلم والعدل للأجيال الحاضرة والمقبلة.
هذا الإعلان كان البداية نحو الاقتصاد المعولم، ولكن الانطلاقة بدأت لحظة انهيار النظام الاجتماعي في عقر داره وتفكك أحد القطبين، ما سهل فرض العولمة وتحرير التجارة، وهي مشروع أسهمت فيه الدول على قدر إمكاناتها وتأثيرها، بل تسابق البعض عليه حتى تم وصفه بالقطار الذي يجب تداركه قبل فواته، لأنه لن يعود إلى المحطة ليأخذ من تخلف عن الصعود إليه.
إن من المؤكد أن هناك اختلالا في السلوك الدولي، حيث ظهرت معايير وأنماط جديدة استغلت فرص الهيمنة على مجريات الأوضاع الدولية والقدرة على تغيير مسارها، واتخذت من فكرة النظام العالمي الجديد أداة لتبرير هيمنتها وإسباغ الشرعية الدولية على سياساتها ومصالحها. ولأن السياسة والاقتصاد يتبادلان التأثر والتأثير، فقد فات على صانعي السياسة الدولية الآثار قصيرة وبعيدة المدى لقراراتهم، وبقدر ما سعوا إلى تحقيق مكاسب في جانب، فقد خسروا في جانب آخر ومعهم تضرر من كان في موقف المتابع للمشهد الدولي. ولأن تلك المصطلحات حظيت بالقبول الدولي، فإن نتائج سياسات من صاغوها لم ترض أحدا، بل ولم ولن يسلم منها أحد حتى يؤذن بانتهاء مفعولها الدولي، لأنها قطعاً كانت سياسات خاطئة.
