الأغلبية الساحقة مما علق به الكتاب والصحفيون العرب على وصول الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما إلى البيت الأبيض تدور حول ما يمكن أو ما يجب عليه القيام به تجاه القضايا والملفات الرئيسية في العالم العربي سواء القديم منها أو الجديد الذي تراكم في فترة سلفه الرئيس جورج بوش. ولعله من قبيل التزيد تكرار الملاحظة التي ساقها بعض الكتاب والمحللين العرب على هذه الطريقة في التعامل مع الرئيس الأمريكي الجديد باعتباره "المخلص" الذي سينهي كل المعاناة العربية من تلك القضايا والملفات الشائكة دفعة واحدة، فالرجل لديه من الأولويات ما لا تدخل فيه تلك التي تهم العرب أو تمسهم وسيكون جل جهده موجهاً للتعامل معها أولاً.
إلا أن الملاحظة الأكثر أهمية – حسب تقديرنا – في التعليق على تلك الطريقة العربية في التعامل مع نجاح أوباما هي أن أغلبية الكتابات تتحدث عن أو تتوقع أدواراً متعددة من الرئيس الأمريكي الجديد تجاه القضايا والملفات التي تثقل كاهل العرب وترتبط بالولايات المتحدة، دون أن تتحدث عن أو تتوقع أدوراً من أي نوع للعرب أنفسهم. العرب في هذه الكتابات مجرد "مفعول" بهم وليسوا فاعلين بأي حال، حيث يبدو الفاعل الوحيد فيها هو الرئيس "المخلص" باراك أوباما الذي يبدو وكأنه سيقوم بكل ما هو لمصلحتهم بدوافع تبدو غامضة وإن كان الإيحاء بأنها ذات طابع خيري ونبيل هو الذي يمكن الشعور به من تلك الكتابات. وهكذا لا يغيب فقط الدور العربي في التعامل مع القضايا والملفات الشائكة المرهقة للعرب، بل وأيضاً تغيب السياسة عن تفسير أو تبرير قيام الرئيس الأمريكي الجديد بما تتوقعه تلك الكتابات منه، التي تتلخص في تعريفها البسيط بقيام الأفراد والمؤسسات والدول بالتصرفات واتخاذ القرارات من أجل تحقيق المصالح وتجنب الأضرار والاستجابة للضغوط.
وحتى يكون الحديث عما يمكن أن يفعله الرئيس الأمريكي الجديد من أجل حل القضايا والملفات الشائكة التي أرهقت العرب واقعياً وسياسياً في الوقت نفسه، فلا بديل عن أن يكون للعرب أدوار واقعية وسياسية محددة في دفعه نحو هذا الطريق. وفي هذا السياق فإن لدى العرب اليوم خمس قضايا رئيسية تشتبك فيها بصور مختلفة الولايات المتحدة ويمكن لهم أن يلعبوا هم أدوارهم في دفع إدارتها نحو حلها لمصلحتهم وهي: القضية الفلسطينية، قضية العراق، القضية الإيرانية، والأوضاع اللبنانية – السورية، وأخيراً قضايا السودان من دارفور إلى جنوبه. هذه القضايا الخمس الرئيسية تختلف بالطبع في درجة خطورتها وفي تأثيراتها في الأوضاع العربية إجمالاً كما تختلف في أهمية كل منها بالنسبة للإدارة الأمريكية الجديدة وتقديراتها لمصالح بلادها وأولوياتها، وهو ما يوجب التعامل معها عربياً مع وضع كل ذلك في الاعتبار. انطلاقاً من ذلك فالأكثر ضرورة وأهمية اليوم من جانب العرب هو أولاً أن يبلوروا تصورات مشتركة فيما بينهم هم للحلول الأمثل لكل من تلك القضايا والملفات المعقدة الشائكة. وهذه البلورة موجودة بالفعل وحولها توافق عربي سابق بالنسبة لبعض القضايا وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي اتفق قادتهم على المبادرة العربية لكي تكون الموقف المشترك الموحد لهم من أجل حلها، في حين أنهم يملكون موقفاً أقل توافقاً حول القضية العراقية وقضايا السودان وأقل بكثير فيما يخص الأوضاع اللبنانية – السورية وأقل بكثير جداً فيما يتعلق بالملف الإيراني.
وبالتالي فإن المطلوب اليوم هو أن تسعى الحكومات العربية عبر مختلف هيئات الجامعة العربية وصولاً إلى أعلاها وهي القمة العربية من أجل التوافق حول مشروعات واضحة لحل القضايا التي لم يتم بعد التوافق بينهم حولها. ومن شأن التوصل لمثل هذه المشروعات المحددة أن يوفر للحكومات العربية ما يمكنها أن تخاطب به الإدارة الأمريكية الجديدة فور تولي الرئيس أوباما منصبه رسمياً في العشرين من كانون الثاني (يناير) القادم، بما يضع تصوراتها لحل القضايا المشار إليها ضمن البدائل المطروحة أمامه للتعامل معها من جهات عديدة أمريكية وغير أمريكية. ويستلزم نجاح هذا الاقتراح أمرين أساسيين: أولهما أن تتم الخطوة السابقة المشار إليها بأقصى سرعة ممكنة وضمن أفضل الظروف التي تكفل نجاح الهدف منها وهو التوصل لأقصى توافق عربي في هيئة مشروعات محددة بشأن حل كل القضايا المشار إليها. وربما يكون من بين الظروف الأفضل لتوفير توافق عربي أن يتم تجنيب بعض القضايا والملفات التي يصل الاختلاف حولها إلى حد جعل طرحها للحوار العربي بمثابة مغامرة قد تؤدي إلى تدمير أي فرص للتوافق حول تلك التي يتوافر قدر أكبر من الرؤى المشتركة بين قادة العرب تجاهها.
أما الأمر الآخر الضروري فهو يتعلق بالطريقة التي يجب على العرب تقديم مشروعاتهم المشتركة لحل القضايا الرئيسية للإدارة الأمريكية بها. فيجب أن تكون هناك مبادرة باقتحام واشنطن سواء بالذهاب إليها بوفود عربية مشتركة على أعلى مستوى أو بخلق حملات إعلامية ودبلوماسية واسعة من العواصم العربية مروراً بعواصم أجنبية أوروبية وغير أوروبية، من أجل الترويج لتلك المشروعات العربية المشتركة. ومن الضروري في هذا السياق أن يتوافر للعرب في زياراتهم أو في حملاتهم الدبلوماسية القدر الكافي من الشجاعة لإفهام واشنطن والعواصم الغربية الرئيسية أنهم لا يملكون فقط ويقدمون مشروعات محددة لحل القضايا التي تثقل كاهلهم، بل أيضاً أنهم يملكون من الأوراق والإمكانات ما يمكنهم به التأثير سلبياً في مصالح هذه العواصم جميعها إذا لم تؤخذ مشروعاتهم بالجدية اللازمة.
