كتبت عن انهيار الديناصور الأمريكي ففرح قوم وعابني آخرون، وكتبت دفاعا عن أمريكا فطارت لها قلوب طربا، وقال الأخ سلطان لولا السطران الأخيران في مقالتك في قسمها الثالث لقلت عنك أنك أمريكي.
وكل المشاكل تأتي من الرؤية الحدية وخطل وخطر النظرة الثنائية، وهي مشكلة فلسفية قديمة.
فالنور ليس أبيض، وغير أبيض بل "كوكتيل" من الألوان يتدرج مما فوق البنفسجي إلى ما تحت الأحمر.
والأنغام تزيد على33000 ألف نغم كان ذلك في الطبيعة مسطورا.
والجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، وكذلك من الأنعام والبشر والدواب، وإنما يخشى الله من عباده العلماءُ..
وحاليا يوجد في العالم أكثر من ستة آلاف لغة وستة مليارات من البشر، وأكثر من 600 ديانة، و60 ألف ملة وستة ملايين نحلة، ولذلك خلقهم..
ومع الحقبة الأمريكية ينقسم الناس إلى فريقين؛ من يرى في أمريكا استعمارا جديدا، ومن يرى أنها فاتحة الديمقراطية.
وهذه الرؤيا (الحدية) ضارة، لأنها تنبعث من خطأ منهجي، أن الألوان ليس فيها سوى أبيض وأسود. وأن الكون مركب على الثنائية.
وعندما نقول عن الشيء أنه حار وبارد وساكن ومتحرك وحامض وقلوي نمارس خطأ علميا من حيث لا ندري.
ومنبع الخطأ يأتي من تصور أنفسنا مركزاً للقياس ومحوراً للكون، ولم يقع العلم في خطأ أفدح من تصوره أن الأرض مركز العالم، وكل من حولها يدور في حلقات دائرية مكتملة، كما تصور ذلك أرسطو؛ أن الدائرة صورة الكمال، حتى تبين أن رؤية بطليموس لا تزيد على وهم، وأن الأرض ليست مركز الكون، وأن الدوران الأكمل ليس دائرة بل شكلا أهليلجيا ارتسمته الذرة والنظام الشمسي، فدار الإلكترون حول البروتون على هذه الشاكلة، وكذلك الأرض.
وما ينطبق على الفلك يصح على الفيزياء وعلم الاجتماع والسياسة، فالضوء ليس أسود وأبيض، بل هو طيف متدرج من الألوان بين الأحمر والأزرق، قام بتحليله نيوتن بموشور زجاجي.
كما أن الحار والبارد لا يزيد على الدرجات التي نشعر بها، ودرجة الحرارة 42 خطيرة على دماغنا، ولكنها عادية عند الطيور.
وتسبح الأسماك بدرجة حرارة قريبة من التجمد فلا تشعر بالقشعريرة. ونحن نرتعش بسبب تقلص العضلات المتكرر تحريرا للطاقة والدفء. ونعرف اليوم أن درجة التجمد صفر، هي نزول متواضع لدرجة الحرارة، والناس في كندا يبنون فنادق مؤقتة من الثلج فإذا جاء الربيع ذابت؟ واستطاع كالفن أن ينزل حتى 273,15 تحت الصفر.
أما ارتفاع الحرارة فلم يمكن تحديدها، وهي على سطح الشمس ستة آلاف درجة وفي باطنها بضعة ملايين، وفي انفجار السوبرنوفا 200 مليار ومع الانفجار العظيم كانت نحو تريليونين، ويزيد في الخلق ما يشاء..
وما انطبق في الفيزياء ينطبق على الكيمياء، فالحموضة لا تزيد على درجة تركيز أيونات الهيدروجين في الوسط.
ويمكن نقل هذا القانون إلى عالم الفكر مع حب وكراهية أمريكا، حينما تقسم الأشياء إلى صواب وخطأ وخير وشر، فكما توزعت درجة الحرارة على شكل طيف، وليس على شكل استقطاب حدي، فيمكن فهم الوجود على هذه الصورة.
والشر وأمريكا ليس (قيمة موضوعية)، بل (وظيفة خاطئة).
والوظيفة (الشريرة) هي بالحري استعمال اندفاع (خيّر) في وقت خاطئ في مكان خاطئ نحو غاية خاطئة.
