الثلاثاء, 21 يوليو 2026|5 صَفَر 1448
الاقتصادية

هل يجدر بالمصرفيين أن يعتذروا؟ في رسالة إلى "فاينانشال تايمز" في الأسبوع الماضي، كتب أندرو ويلسون من "كليمايرز" في اسكتلندا، وهو ليس مصرفياً، أنه لا يرى داعياً لاعتذارهم. فانهيار السوق ليس خطأ المصرفيين وحدهم. ومن الأفضل كثيراً أن نتصدى للأزمة بدلاً عن البحث عن الاعتذارات.

وجهة النظر التي عبر عنها صاحبها في رسالته على ما يبدو ليست وجهة النظر التي تبنتها لجنة الإشراف في الكونجرس حين قام أعضاؤها باستجواب رتشارد فولد، كبير التنفيذيين في بنك ليمان براذرز. كانوا يطالبون بإعلان الندم.

خلال جلسة الاستجواب التي دامت ساعتان وعشر دقائق، كاد فولد أن يستجيب لهم ويعلن ندمه. ولكنه قال: "أتحمل المسؤولية الكاملة عن القرارات التي اتخذتها بخصوص الإجراءات التي اتخذتها استناداً إلى المعلومات التي كانت متاحة لنا في ذلك الحين".

وقال في جواب على أحد الأسئلة: "ظننت، شأني شأن عدد من الناس، أن أزمة القروض كانت تقتصر على القروض السكنية. وكان هناك عدد من الناس، من بينهم كثير من الخبراء، حسبوا الأمر أنه كذلك. وقد كنت مخطئاً في ظني".

لا بد أنك وضعت يدك على نقاط التهرب التي اعتمد عليها فولد. قامت أخطاؤه على المعلومات التي كانت متاحة له في ذلك الحين، وإن كان مخطئاً، فهذه كانت حال أناس غيره، وهم كثر، وكان من بينهم عدد من الخبراء.

إذن من الذي سيقع عليه اللوم؟ البائعون على المكشوف ومروجو الإشاعات، وفقاً لما يراه فولد. ولكن دفاعه لم يلق آذاناً صاغية عند أعضاء اللجنة. السبب الذي من أجله حقق فولد دخلاً مقداره 480 مليون دولار على مدى ثماني سنوات (اعترض فولد حول الرقم ولكنه أقر بأن دخله كان عالياً) هو أنه كان يفترض فيه أن يكون أذكى من الآخرين.

في نهاية الجلسة قال هنري واكسمان، رئيس اللجنة، إلى فولد: "تحملتَ مسؤولية القرارات التي اتخذتَها. ولكن بعد أن حدثت التطورات وأنت تنظر إلى الوراء الآن فإنك ترى أنه كان يجدر بك التصرف بطريقة مختلفة. ولكن لا يبدو عليك أنك تُقِرُّ بارتكاب أي خطأ".

كان جواب فولد هو أنه نظر إليه نظرة قوية لا بد أنها كانت تثير الرعب في نفوس كثير من موظفي بنك ليمان على مدى السنين.

شخصيات أخرى غير فولد كانت أقرب منه إلى الاعتذار. أعرب ألان يارو، رئيس جمعية المصرفيين الاستثماريين في لندن، عن ندمه وقال: "من الواضح أن هناك أخطاء ارتُكِبت".

هذا أقرب إلى الاعتذار من فولد، ولكن لاحظ استخدام صيغة المبني للمجهول وهو يباعد بين الأخطاء وبين مرتكبيها.

في السنة الماضية نشر عالما النفس كارول تافريس وإليوت أرونسون، كتاباً يلقي الضوء على هذه الظاهرة بعنوان "أخطاء ارتُكِبت". الواقع أن العنوان الكامل للكتاب هو: "أخطاء ارتُكِبت (ولكن ليس من قِبَلي)". يفيدنا هذا الكتاب في توضيح السبب الذي يجعلنا جميعاً، وليس فولد فقط، نستصعب النطق بالاعتذار.

موضوع الكتاب ليس حول البنوك. يناقش الكتاب فكرة مفادها أننا نحاول، في كل جانب من جوانب حياتنا، تبرير سلوكنا حين يناقض هذا السلوك الطريقة التي نرى بها أنفسنا.

نحن نظن أننا أشخاص صادقون ومحترمون. فكيف إذن نفسر هذه النفقات الوهمية إلى حد ما في الإقرار الضريبي الذي نقدمه للحكومة؟ يكون ذلك بأن نقول لأنفسنا إن الضرائب التي ندفعها تفوق الحد وإن الحكومة على كل حال تهدر كثيراً من أموالنا.

حين يؤمن الشخص بفكرتين متناقضتين، كأن يظن أنه إنسان صادق أمين وأن له الحق في تقديم بيانات غير صحيحة في الإقرار الضريبي، فإن علماء النفس يطلقون على هذه الظاهرة اسم "النشاز المعرفي". معظم الحياة البشرية هي محاولة التقليل من أثر هذا النشاز وإعطاء تفسير يجعله مقبولاً. يقول المؤلفان: "ربما تبدو على الكلب علامات الندم حين يمسك به صاحبه وهو يبول على السجادة، ولكنه لن يحاول ابتداع تفسيرات لسلوكه الخاطئ".

كلما ازداد الجهد الذي نبذله في نشاط ما وازدادت معه العواقب، قلّت رغبتنا واستعدادنا في القبول بأننا ارتكبنا ذنباً. يقول الكتاب إن هذا هو السبب في أن خبراء رعاية الأطفال الذين ساعدت شهادتهم في إرسال مدرسات روضة الأطفال إلى السجن بتهم كاذبة (وفي أغلب الأحيان تهم غير معقولة ومغرقة في الخيال) عن الإساءة إلى الأطفال، هؤلاء الخبراء رفضوا القبول بأنهم كانوا مخطئين.

هذا هو السبب في أن ممثلي المدعي العام يجدون من الصعب تماماً عليهم الإقرار ببراءة الأشخاص الذين عملوا على إرسالهم إلى السجن، حتى حين تُظهر أدلة إضافية من اختبارات الحامض النووي أن المذنب كان شخصاً آخر. حين يوحي الدليل العلمي أنهم كانوا على خطأ، فإنهم يرفضون الدليل العلمي. إن فكرة أنهم وضعوا إنساناً بريئاً خلف القضبان هي فكرة مدمرة تماماً لكفاءتهم المهنية بحيث أنهم يرتعدون منها خوفاً.

الآن تخيل أنك فولد، وأنك بدأت العمل لدى بنك ليمان متدربا قبل 42 سنة، وأن عليك أن تقبل بأنك كنت المسؤول عن تدمير مؤسسة عمرها 158 عاماً، مؤسسة كانت تعد من أكثر الأسماء احتراماً وهيبة في عالم المال.

بإمكانه أن يتحمل "المسؤولية الكاملة"، فهذا أمر ينسجم مع شخصية كبير التنفيذيين الصلب الذي كانت كل القرارات بيده. أما الاعتذار فهو أمر آخر.

هل من المهم فعلاً أن يعتذر المصرفيون؟ أم أن ويلسون صاحب الرسالة المذكورة آنفاً مصيب في قوله إنه لا ينبغي أن نبحث عن اعتذارات منهم؟ من المؤكد أنه كانت هناك أطراف أخرى مسؤولة كذلك عن هذا الإخفاق المريع، مثل أصحاب المساكن الذين اقترضوا لشرائها قروضاً كانت فوق طاقتهم. صحيح أن بعضهم قد غُرِّر به. ولكن كثيرين غيرهم كانوا على ثقة أن ارتفاع أسعار المساكن سينقذهم من العجز عن سداد ديون لا قبل لهم بها.

ثم إن هناك أطرافاً أخرى، مثل الحكومات والأجهزة الرقابية ووكالات التقييم الائتماني والصحافيين. لم يقم أي من هذه الأطراف بدق ناقوس الخطر.

من المعقول أن نسأل: لماذا يجد المصرفيون من الصعب عليهم تقديم الاعتذار؟ ولكن من المعقول كذلك أن نتساءل عن السبب في أن بقية الناس غيرهم يحتاجون إلى اعتذارهم بهذا الإلحاح.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية