عقب حالة الفوضى التي دخلت فيها الكونغو بعد الاستقلال، استقبلت أول بعثة للأمم المتحدة أرسلت هناك في محاولة لدعم عملية بناء البلاد. لكن إخفاق تلك البعثة في منع وقوع الحرب الأهلية، أساء إلى سمعة قوات حفظ السلام لدى أجيال من الكونغوليين الذين تحولوا إلى نظام موبوتو سيسي سيكو المشهور بأعمال السرقة والاختلاس.
وبعد نصف قرن تقريباً، التاريخ على وشك أن يعيد نفسه، إذ تعتبر قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والمكونة من 17 ألف شخص، الأكبر من نوعها في العالم، وتزيد تكاليفها السنوية على مليار دولار، وبذلك تكون الأكثر تكلفة أيضا. لكن هذه القوة منتشرة في أرجاء بلد تعادل مساحته مساحة أوروبا الغربية، وهي تتعرض لإطلاق نيران من جميع الأطراف. وإذا انهارت هذه البعثة، فإن البلدان المشاركة فيها ستتردد مستقبلاً في المشاركة في بعثات الأمم المتحدة، وربما تتعثر جهود إحلال السلام في قارة إفريقيا.
إن قوة الأمم المتحدة واقعة بين المتمردين الكونغوليين الذي يصرون على إجبارها على الانسحاب بصورة مهينة من جهة، والقوات الحكومية التي تفتقر إلى الانضباط جهة ثانية، وسكان البلاد المستشيطين غضباً بسبب فشل قوات الأمم المتحدة في حماية المدنيين من جهة ثالثة.
وقوة الأمم المتحدة التي تعرف بالاسم الفرنسي لها وهو Monuc، ليس لديها إلا عدد قليل من المقاتلين للدفاع عنها. ويخشى المسؤولون في الأمم المتحدة من أن يؤدي سقوط مدينة جوما التي يحاصر المتمردون قوات تابعة للأمم المتحدة والحكومة فيها، إلى تفكك بعثتهم وفشل مهمتهم في ذلك البلد.
ويبدو أن فرنسا أدركت شدة هذا الخطر عندما اقترحت نشر قوة مستقلة من الاتحاد الأوروبي قوامها 1500 جندي. إلا أن بريطانيا أحبطت هذه الفكرة وأوفدت وزير خارجيتها، ديفيد ميليباند، إلى المنطقة في إجراء بديل مؤقت. وقد لعبت الدبلوماسية دوراً منذ ذلك الوقت في تأخير هجوم المتمردين على المدينة، لكن هذا الإجراء لا يشكل بديلاً عن التدخل القوي لإنقاذ بعثة الأمم المتحدة.
ولقوات حفظ السلام سجل مروع في إفريقيا الوسطى. لكن توجد سابقة ناجحة على هذا الصعيد. ذلك أن عملية أرتميس Artemis، التي تدخلت فيها الأمم المتحدة في شمال شرقي الكونغو عام 2003 كانت محدودة من حيث الحجم والنطاق. لكن الجنود الفرنسيين الذين كانوا يشكلون العنصر الرئيسي في تلك القوة كانوا مسلحين تسليحاً جيداً يمكنهم من إحداث فرق. فقد أنقذوا بعثة تابعة للأمم المتحدة من أوروغواي، وأوقفوا مذابح تعرضها لها المدنيون ووفروا إمكانية العثور على حل سياسي للمشكلة.
وبعثة Monuc تتحمل جزءاً من اللوم بسبب فشلها في القيام بالشيء نفسه حول مدينة جوما. لكن مساعدة الاتحاد الأوروبي تعطي الأمم المتحدة وقتاً لترتيب وضعها. ذلك أن هذه المساعدة تبعث برسالة للجهات المتصارعة مفادها أن العالم جاد في منع نشوب حرب إقليمية أخرى. كما تسمح ببذل مزيد من الجهود الجادة لمعالجة الأسباب التي أدت إلى هذا الصراع. وربما تكون تكاليف ذلك عالية في وقت يعاني فيه العالم من أزمة مالية، لكن عواقب عدم العمل ستكون أكبر بكثير في نهاية المطاف.