تخفيض بنك إنجلترا غير العادي لسعر الفائدة 1.5 في المائة وإلى 3 في المائة أمر مخيف، ومبرر، وغير ذي علاقة بمجريات الأمور. فهو مخيف لأنه يؤكد أن الاقتصاد البريطاني يمكن أن يكون متجهاً نحو واحد من أكبر التراجعات منذ الحرب العالمية الثانية. وهو مبرر بمعنى أن تراجع معدلات التضخم يمنح البنوك المركزية مجالاً كافياً للمناورة. غير أنه، لسوء الحظ، لن يُحدث الكثير من الفرق بالنسبة لتوقعات تعاف اقتصادي.
كما أن التخفيض الأقوى من المعتاد الذي أجراه البنك المركزي الأوروبي على سعر الفائدة في منطقة اليورو بواقع نصف نقطة مئوية ليصبح 3.25 في المائة، كان يمكن أن يكون مرغوباً ومبرراً، إلا أن شأنه شأن التخفيض البريطاني، غير ذي علاقة.
سبب ذلك أن القنوات التي تؤثر من خلالها السياسة النقدية في الاقتصاد الحقيقي لا تزال مغلقة. وهناك عدد من هذه القنوات، بما في ذلك تلك المتعلقة بإقراض البنوك، لكن معظمها يتحرك عبر سوق الأموال، بينما لا تستطيع الشركات، أو الأسر الحصول مباشرة على أموال البنك المركزي. وطالما أن أسواق المال لا تعمل بصورة سليمة، فإن السياسة النقدية غير فاعلة نتيجة لذلك.
اكتشف البريطانيون الذين يحملون الرهون العقارية متغيرة الفائدة الأسبوع الماضي، أن معظم البنوك مترددة في تمرير تخفيض الفائدة الذي أجراه بنك إنجلترا، على الرغم من أنها قالت فيما بعد إنها ستفعل ذلك. وإن معدلات الفائدة التي تهم حاملي الرهون هي معدلات الفائدة على الرهون في الأجل القصير، أو الأجل الطويل، اعتماداً على نوع الرهن الذي بحوزتهم.
إن ما يهم كثيراً من الشركات هو عرض معدل الفائدة بين البنوك في لندن (ليبور)، أو الـ "يوريبور" في منطقة اليورو. وغالباً ما تمول الشركات الكبرى حاجاتها للسيولة في الأجل القصير في سوق الأوراق المالية التجارية. وخفض الاحتياطي الفيدرالي معدل الفائدة على الأموال الاتحادية من 5.25 في المائة في أيلول (سبتمبر) 2007 إلى 1 في المائة في الفترة الأخيرة. غير أن معدلات فائدة الأوراق التجارية المستحقة خلال 90 يوماً لم تكن تشكل أكثر من 5 في المائة حين بدأت الأزمة في آب (أغسطس) 2007، كما كانت قريبة من 5 في المائة في الشهر الماضي. ولم تتراجع لتصبح 3.3 في المائة إلاّ في الفترة الأخيرة، بعد أن بدأ الاحتياطي الفيدرالي التدخل في هذه السوق بصورة مباشرة.
ولم تشهد أسواق المال سوى تحسن بسيط منذ ذلك الحين. غير أن معدلات الفائدة في أسواق المال لا تزال في المنطقة الحمراء المقلقة. وأما فرق Ted الذي يقيس الفرق بين معدلات فوائد قروض الليبور بالدولار لفترة ثلاثة أشهر، ومعدلات فوائد سندات الخزانة الأمريكية لثلاثة أشهر، فكان لا يزال فوق 2 في المائة قبيل نهاية الأسبوع الماضي. وكان قريباً من 1 في المائة خلال معظم فترة الأزمة، وفوق الصفر بقليل قبل ذلك.
ربما تكون هناك مشكلة أكبر من مشكلة ثبات أسعار الفائدة المرتفعة، تتمثل في تراجع كميات الائتمان، إذ قلصت البنوك جميع أنواع القروض لأغراض الرهن العقاري، والائتمان الاستهلاكي، والنشاطات التجارية. وليس لمعدلات الفائدة أثر في الكميات في الأجل القصير.
ولا تلعب السياسة النقدية في هذا المفترق سوى دور أكثر بقليل من مجرد الدعم خلال هذه الأزمة.
بالتالي، أقوى أدوات السياسات المتاحة لنا في الوقت الراهن هي السياسة المالية. وبصورة غير معتادة، دعا مصرفي البنك المركزي الأوروبي، ماريو دراجي، الذي هو محافظ بنك إيطاليا، الأسبوع الماضي، الحكومات إلى استخدام أي مجال مناورة متاح لها على صعيد السياسة المالية. وهو على حق في ذلك، لأن التحسن التدريجي في ظروف أسواق الأموال لن يكون كافياً لوقف التدهور الدراماتيكي للنشاطات الاقتصادية، كما بينته، مثلا، أرقام مبيعات السيارات المرعبة في الأسبوع الماضي.
وبينما كانت هناك مبادرات وطنية بارزة وواسعة النطاق، بقيت الاستجابة العالمية غير فاعلة.
إن العالم يعاني مشكلة عدم التحرك الجماعي على صعيد السياسة المالية. البلدان اللذان يمكن أن يكون الحافز فيهما أكبر فاعلية هما الصين وألمانيا. غير أن هذين البلدين كذلك هما الأقل رغبة في تبني مثل هذه السياسات. ولدى كل منهما فوائض هائلة في الحساب الجاري، كما لديهما معدلات متدنية نسبياً من الاستهلاك المحلي، بينما نجد أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة أشد رغبة في تبني حافز مالي، لكن ظروفهما الاقتصادية أقل ملاءمة لذلك.
وكما سبق لستيفن سيشيتي، كبير الاقتصاديين في بنك التسويات الدولية، أن حذرنا في إحدى المناسبات، فإن الحوافز المالية تكون جيدة إذا جاءت في الوقت المناسب، والاستهداف الصحيح، وكذلك أن تكون مؤقتة. على أن هناك عنصراً إضافياً مهماً هو حجمها، إذ يجب أن تكون كبيرة بحيث يمكنها التأثير، لكن ليست كبيرة للغاية بحيث تثير مخاطر تدهور قدرة البلد على الوفاء بالتزاماته المالية.
إن الحافز المالي الألماني بقيمة خمسة مليارات يورو (6.4 مليار دولار)، غريب تماماً من حيث كونه يخفق في كل اختبارات خطة التحفيز تقريباً. ولا يزال مثل هذا الحافز يصنف ضمن محاباة المقربين لأغراض سياسية، إضافة إلى أنه ضئيل وتافه. وإنني أقدر أن ألمانيا في حاجة إلى حافز مالي يزيد على الأقل 20 ضعفاً عمّا أعلنت عنه، أي أنها في حاجة إلى نحو 100 مليار يورو، على أن يكون معظم ذلك في صورة تخفيضات ضريبية لدعم الاستهلاك، وبالذات في هذه الفترة السابقة لأعياد الميلاد. كما أن من شأن تخفيضات الضرائب إحداث أثر جيد في إيطاليا كذلك. أما في كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، فإن إجراءات مالية أخرى يمكن أن تكون أفضل في الوقت الراهن.
والطريق إلى ذلك هو تنسيق سياسات عالمي، بحيث إذا تحركت منطقة اليورو وأوروبا حسب متطلبات الأمر، فإن حافزاً مالياً أمريكياً بقيمة 500 مليار دولار يمكن أن يكون أفضل بكثير مما لو لم تتحرك هاتان الجهتان. والحصول على تعاون منطقة اليورو والصين، ضمن استجابة عالمية، سيكون مكوناً رئيسياً من الدبلوماسية المالية خلال الأسابيع المقبلة. ويمكن أن ينتظر ذلك حتى العام المقبل، حين يصبح ذلك بمثابة أولوية سياسات لدى الرئيس الأمريكي الجديد.
إن السياسة المالية تقرر متى وكيف يمكن حل الأزمة بأكثر مما يكون عليه دور السياسة النقدية. وأفضل مساهمة يمكن للبنوك المركزية أن تقدمها هي مساعدة أسواق المال. وما زلت أعتقد أن مستوى واضحاً من تأمينات الأسواق على نطاق منطقة العملة الموحدة، هو الطريق السليم. وعليكم تخفيض معدلات الفائدة هذه إذا كنتم تعتقدون أن لديكم مجالاً للمناورة. لكن لا تستغفلوا أنفسكم، لأن الأثر يمكن أن يتراوح بين الصفر من جهة وتأثير كبير للغاية في الجهة الثانية.

