أكتب مقالي اليوم عن الطاقة، مستذكرًا حضوري اجتماعًا استثنائيًا لمنظمة (أوبك) عُقد في لندن مطلع الثمانينيات الميلادية، لتغطية الحدث بطلب من الزميل خالد المالك، رئيس تحرير جريدة الجزيرة. إذ كنت أقضي إجازة خاصة في لندن، ولم أمانع خوض تجربة جديدة تتطلب الكثير من التحضير ورفع مستوى معرفتي بقضايا النفط خلال مدة وجيزة.
ومنذ اليوم الأول، التقيت الوفد السعودي برئاسة أحمد زكي يماني، وزير البترول حينها، وتعرفت إلى عدد من أعضائه، ممن تجمعني ببعضهم صداقة ومعرفة سابقة، فانضممت إلى الوفد وتوجهت معه إلى قاعات الاجتماعات، وبقيت معه طوال مدة الاجتماعات، ولم أغادر مع الإعلاميين عندما بدأت الوفود نقاشاتها المغلقة.
واستفدت كثيرًا من وجودي محاطًا بخبراء المجال ضمن أهم وفود الاجتماع؛ إذ تدفقت المعلومات، ووجدت إجابات عن استفساراتي. لكن هذه الأفضلية لم تستمر سوى اليوم الأول؛ إذ اكتشف الصحفيون الحاضرون أمري، وأبلغوا المنظمين، فانتقلت إلى مقاعد الإعلاميين في بقية الأيام. كما التقيت عددًا من الخبراء في مجالات النفط، ممن تخصصوا في الإعلام المتعلق بالطاقة وأصبحوا مراجع فيه، فحرصت على الاستفادة من خبراتهم.
وقد بقيت تلك التجربة حاضرة في ذاكرتي، ليس فقط لما أتاحته لي من معرفة بصناعة النفط، بل لما كشفت عنه من أهمية الدور السعودي في إدارة هذه الصناعة وتوازن أسواقها. وعودة إلى موضوع اليوم، أقول إن الرياض باتت اليوم، بلا جدال، عاصمة أمن الطاقة في العالم، كما قال عراب الطاقة العالمي وأيقونة الإدارة والمعرفة فيها الأمير عبدالعزيز بن سلمان، وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية في أكبر بلد منتج لها، والأهم من ذلك البلد الأكثر حرصًا على توازن سوق الطاقة دوليًا، بما يحول دون تضرر الدول المستهلكة أو المنتجة نتيجة جشع طرف أو تسلطه على الآخر.
هذا التوازن، وما يتطلبه من ضبط لسلوكيات السوق وتعزيز موثوقيتها، هو ما تعمل السعودية على ترسيخه من خلال سياساتها واستثماراتها المتواصلة، كما تفي بالتزاماتها، تحقيقًا لمستهدفات رؤية 2030، وفق ما أكده الأمير عبد العزيز بن سلمان في كلمته خلال افتتاح أعمال مؤتمر البترول العالمي الـ25، الذي عُقد أخيرًا في الرياض.
قال الأمير عبدالعزيز بوضوح إن كلمة الخوف لا وجود لها في القاموس السعودي، مضيفًا: «نحن لا نهاب، ونحن أصحاب عزيمة، وسنثبت ذلك للعالم كله، وكل ما نمر به سنتغلب عليه»، مؤكدًا أن المملكة لن تفوّت أي فرصة للحفاظ على التزاماتها وتحقيق رؤيتها، وأنها استطاعت إحداث تحول كبير خلال فترة زمنية قصيرة.
وأشار إلى أن قدرة (أرامكو) على التعامل مع التحديات وإعادة تشغيل المرافق المتضررة تعكس سنوات من التخطيط والصيانة، وتراكم الخبرات، وبناء سلاسل الإمداد المحلية، والاستثمار في الكوادر الوطنية، التي تمثل الثروة الأهم.
أما أمين الناصر، رئيس شركة أرامكو السعودية، فقد قال إن أرامكو تتمتع بميزة استثنائية في المرونة والصلابة والصمود التي أتت نتيجة عقود من الاستثمار والتحضير. وقد تجلّت هذه الميزة في أداء كوادرنا البشرية التي قامت بدور بطولي خلال الأزمة، مستندة إلى أحد أهم مصادر مرونة الشركة، وهي بنيتها التحتية التي تشمل الأنابيب والخزانات والموانئ. وأضاف أن الشركة تستفيد من نقاط التصدير المختلفة التابعة لها، إلى جانب عمليات نقل الشحنات من ناقلة إلى أخرى، لضمان الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء، وأضاف أن من المتوقع أن ينمو الطلب العالمي على السوائل النفطية في 2027م بنحو 2.4 مليون برميل يوميًا.
وأخيرًا، يتضح مما تقدم أن السعودية، كما كانت منذ تأسيسها، تحرص على مصلحة الأشقاء والجيران والأصدقاء، ولا سيما في أوقات الأزمات. ولذا فتحت جميع وسائل التواصل اللوجستية وسلاسل الإمداد المتوفرة لديها من طرق وموانئ ومطارات لخدمة الدول المحتاجة، رغم التحديات الكبيرة في جميع المجالات، وخاصة مجال الطاقة، التي أظهرت الأزمات (والأزمة الحالية) قدرتها على الوفاء وتأدية دور ضامن الاستقرار ومحقق الأمن للطاقة في العالم، بدعم القيادة ورؤية المسؤولين وتفاني المواطنين الذين تقوم عليهم صناعة الطاقة في بلادنا.
وبقيت هذه المزية والدور المحوري علامة فخر تستحق منا لفت النظر لها بشكل أكبر ورفع الوعي بمكانة السعودية فيها لدى المواطنين، وإبراز هذه الجهود للعالم بوصفها أحد عناصر قوتنا الناعمة، التي تستند إلى رصيد من المنجزات الفعلية التي تمس حياة الجميع، دون أن تواكبها جهود إعلامية ترتقي إلى مستواها.
كاتب اقتصادي
