ماذا لو كان الكمبيوتر الذي نعرفه اليوم يقترب من نهايته؟ ليس بمعنى اختفائه، بل انتقاله إلى شكل جديد يجعل التطبيقات والبرامج أقل أهمية، ويضع الذكاء الاصطناعي والوكلاء الرقميين في قلب تجربة الاستخدام.
هذا هو الرهان الذي تطرحه شركة «هيوماين» السعودية، مع استعدادها للكشف عن حاسوب جديد بالتعاون مع «كوالكوم»، خلال مؤتمر LEAP في الرياض، المقرر بين 31 أغسطس و3 سبتمبر 2026.
القصة، وفق الفكرة التي تقف وراء الجهاز، ليست في تصميمه أو سرعة معالجه، بل في إعادة تعريف الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الكمبيوتر.
من التطبيقات إلى «النية»
على مدى عقود، اعتاد المستخدم فتح التطبيقات للوصول إلى ما يريد: برنامج للبريد، وآخر للبحث، وثالث لتحليل البيانات، ورابع لإدارة الملفات. أما الحوسبة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي فتقترح نموذجاً مختلفاً: قل للكمبيوتر ما تريد، ودع وكلاء الذكاء الاصطناعي ينفذون المهمة.
بدلاً من التنقل بين عشرات التطبيقات، يمكن أن يصبح الكمبيوتر واجهة واحدة تستقبل طلب المستخدم، ثم توزع المهمة على مجموعة من وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على البحث والتحليل والكتابة والتنفيذ.
وهنا ينتقل الكمبيوتر من «عصر التطبيقات» إلى «عصر النوايا»؛ إذ يصبح الهدف هو ما يهم، وليس الأداة التي يستخدمها الجهاز للوصول إليه.
حاسوب مصمم للذكاء الاصطناعي
تقنياً، يعتمد الجهاز على الجمع بين وحدات CPU وGPU وNPU، بما يتيح تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي محلياً على الجهاز، بدلاً من الاعتماد الكامل على الحوسبة السحابية.
وهذه النقلة مهمة اقتصادياً وتقنياً؛ فمعالجة جزء من مهام الذكاء الاصطناعي على الجهاز يمكن أن تعني استجابة أسرع، وخصوصية أكبر، وتقليل الاعتماد على الاتصال المستمر بمراكز البيانات.
لكن الأهم أن الجهاز يمثل محاولة لجعل الذكاء الاصطناعي طبقة أساسية في الحوسبة الشخصية، لا مجرد برنامج إضافي يعمل فوق نظام التشغيل.
لماذا تدخل السعودية سوق الحواسيب؟
لا تنفصل خطوة «هيوماين» عن مشروع أكبر تبنيه السعودية في مجال الذكاء الاصطناعي. فالشركة، المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، تتحرك نحو بناء منظومة متكاملة تشمل النماذج الذكية، ومراكز البيانات، وقدرات الحوسبة، ثم الوصول إلى المستخدم النهائي.
وتعزز ذلك شراكات مع شركات تقنية عالمية، بينها إنفيديا وكوالكوم وAWS، إلى جانب استثمارات كبيرة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
ومن هذه الزاوية، فإن الحاسوب الجديد ليس منتجاً منفرداً، بل حلقة في سلسلة تبدأ من البنية التحتية وقدرات الحوسبة، مروراً بالنماذج والوكلاء، وتنتهي بالجهاز الذي يتعامل معه المستخدم.
السؤال الأكبر
إذا نجحت هذه الرؤية، فقد لا تكون المنافسة المستقبلية في سوق الحواسيب حول من يملك أسرع معالج أو أكبر شاشة، بل حول من يملك أفضل وكيل ذكاء اصطناعي قادر على إنجاز المهام نيابة عن المستخدم.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي الذي تطرحه «هيوماين» أكبر من إطلاق جهاز جديد: إذا أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تنفيذ ما نطلبه مباشرة، فهل سنظل بحاجة إلى التطبيقات بالطريقة التي عرفناها بها طوال العقود الماضية؟
قد لا يكون هذا هو آخر جيل من الكمبيوتر، لكنه ربما يكون بداية الجيل الذي يغيّر معنى «استخدام الكمبيوتر» نفسه.
