الجمعة, 14 أغسطس 2026|29 صَفَر 1448
الاقتصادية

شهدت العقود الأخيرة تحولاً جذرياً في سلوك المستهلك الأمريكي، إذ تحولت الولايات المتحدة من أمة تفضل السياحة الداخلية إلى إحدى أكبر القوى المصدرة للرحالة والسياح إلى مختلف أنحاء العالم، ولا سيما إلى القارة الأوروبية.

ولم يعد السفر للأمريكيين مجرد رفاهية موسمية، بل تحول إلى جزء أساسي من أسلوب الحياة، حيث اجتاح السياح الأمريكيون الأزقة الحجرية في أوروبا واستكشفوا وجهاتها الكلاسيكية والجديدة بكثافة غير مسبوقة.

وبحسب صحيفة "وول ستريت جورنال"، سجل الأمريكيون رقماً قياسياً بلغ 24 مليون رحلة إلى أوروبا خلال 2025. استقبلت البرتغال تقريبا 5 أضعاف عدد الزوار الأمريكيين العام الماضي مقارنة بالعقد السابق، بينما تضاعف الإقبال على اليونان 4 أضعاف، وواصلت المملكة المتحدة وإيطاليا استقطاب ملايين السياح الإضافيين سنوياً عبر الرحلات الجوية.

تعد الرحلة إلى أوروبا وجهة مفضلة لدى النخب الأمريكية. في القرن التاسع عشر، انطلق الأمريكيون الأثرياء في رحلات سياحية على خطى الأرستقراطيين البريطانيين، قضاء شهور في السفر عبر أوروبا لزيارة المواقع التاريخية، وتعلم اللغات، وجمع اللوحات الفنية، كما ذكر إريك زويلو، أستاذ التاريخ في جامعة "نيو إنجلاند".

واليوم، يقف وراء هذا التدفق قوة اقتصادية هائلة وديموغرافيا متغيرة؛ إذ يقود التدفق كبار السن من جيل الطفرة الذين يمتلكون ثروات تقدر بنحو 110 تريليونات دولار. ومع ارتفاع متوسط العمر والتطلع إلى استغلال مرحلة التقاعد، أصبح هؤلاء أكثر إقبالاً على إنفاق أموالهم في رحلات فاخرة واستكشافية. في المقابل، يفضل الأجيال الشابة، مثل جيل الألفية وجيل زد، توجيه دخلهم نحو تجارب السفر بدلاً من شراء العقارات أو تكوين أسر، معتبرين السفر استثماراً أساسياً في جودة الحياة.

تزامن ارتفاع الثروات مع تسهيلات تاريخية في صناعة السفر؛ ففي 1990، كان أقل من 5% من الأمريكيين يحملون جوازات سفر، وارتفعت هذه النسبة اليوم لتتجاوز 50%، مدعومة بإصدار قياسي بلغ 27 مليون جواز سفر في 2025 وحده.

وخلال العقد الماضي، ارتفعت أسعار تذاكر الطيران على الدرجة السياحية إلى المنطقة 56%، أي أكثر من معدل التضخم. وبلغ متوسط ​​سعر تذكرة الطيران ذهابًا فقط على الدرجة السياحية من الولايات المتحدة إلى أوروبا، باستثناء الضرائب والرسوم، 588 دولارًا هذا العام، مقارنةً بـ533 دولارًا في 2025، وفقًا لشركة "سيريم" لتحليلات الطيران.

علاوة على ذلك، يتفوق السياح الأمريكيون على نظرائهم الأوروبيين من حيث معدلات الإنفاق. حيث ينفق السائح الأمريكي في إسبانيا متوسط 350 دولاراً يومياً، مقارنة بـ200 دولار للألماني و150 للفرنسي. كما يقضي الأمريكيون فترات أطول ويميلون إلى شراء المنتجات الفاخرة، حيث يشكلون 15% من إجمالي مبيعات التجزئة الفاخرة في أوروبا، إضافة إلى إقبالهم على الجولات المخصصة والتجارب الفريدة.

غير أن هذا التدفق الضخم يحمل في طياته ضغوطاً شديدة على المجتمعات المحلية. ففي حين أن الإنفاق الأمريكي ينعش الاقتصادات المحلية، إلا أنه تسبب في تفاقم أزمة السكن وارتفاع تكاليف المعيشة بسبب انتشار الإيجارات قصيرة الأجل مثل "أير بي إن بي". ونتيجة لذلك، اندلعت احتجاجات حادة ضد "السياحة المفرطة" في مدن مثل برشلونة وجزر المايوركا وإيطاليا، حيث طالب السكان المحليون بوضع حد لأعداد الزوار وتوفير سكن ملائم.

تجد الحكومات الأوروبية نفسها أمام مأزق معقد. فهي تسعى من جهة إلى فرض تنظيمات وضرائب جديدة للحد من الآثار السلبية للسياحة المفرطة، لكنها تعتمد من جهة أخرى على الأموال التي يضخها السياح الأمريكيون لإنعاش قطاعاتها الاقتصادية والخدمية. وبذلك، يظل السائح الأمريكي قوة اقتصادية لا يمكن الاستغناء عنها، رغم كل التحديات التي يفرضها هذا الحضور المكثف.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية