منذ نحو قرنين من الزمن، ما زالت الإذاعة صامدة في وجه التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإعلامي، رغم تطور الوسائل الحديثة في إيصال الرسائل الإعلامية. وارتبطت الإذاعة في أذهان الجمهور طويلًا بكونها وسيلة "للاستماع فقط"، ترافق المستمع في الصباح أو أثناء قيادة المركبة. إلا أن هذا التصور بدأ يشهد تغيرًا ملحوظًا في الآونة الأخيرة، مع دخول الإذاعة مرحلة تحول إيجابي فرضته متطلبات العصر الرقمي.
ففي الوقت الراهن، لم تعد البرامج الإذاعية تكتفي بالبث الصوتي، بل باتت تُقدَّم عبر بث مرئي وبقوالب حديثة تُعرف بـ“البودكاست” و“البرودكاست”، في محاولة لمواكبة تطور أدوات الإعلام وتغير سلوك الجمهور. هذا التحول يثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل الإذاعة، وأسباب حدوث هذا التغيير في هذا التوقيت تحديدًا.
وفي هذا الإطار، طرحت "الاقتصادية" خلال المنتدى السعودي للإعلام 2026 عدة تساؤلات حول مستقبل الإذاعة في السعودية، من أبرزها: هل يشكّل انتقال الصحف الورقية إلى المنصات الرقمية دافعًا ومحفزًا لتحول البرامج الإذاعية إلى قوالب البرودكاست؟ وهل يمكن أن يكون البودكاست هو المخرج الجديد للإذاعة؟
تحول يصب في مصلحة الإذاعة
أكد المذيع والإعلامي السعودي عبدالعزيز العيد أن هذا التحول يصب في مصلحة المحطات الإذاعية والتلفزيونية، معتبرًا إياه خطوة إيجابية تعكس مواكبة الإعلام للتطورات الحديثة. وأشار إلى أن طبيعة الجمهور المتلقي تغيّرت بشكل كبير عما كانت عليه في السابق، موضحًا أن البودكاست نجح في كسر قيود الزمن، حيث أصبح بإمكان الجمهور الاستماع إلى المحتوى وإعادته في أي وقت يناسبه.
وأضاف العيد أن بعض برامج البودكاست تمتد لساعات طويلة وتحظى بمتابعة واسعة دون شعور بالملل، وهو ما يعكس انطباعًا إيجابيًا عن هذا النوع من المحتوى الإعلامي. واختتم حديثه بالتأكيد على ضرورة مواكبة المؤسسات الإذاعية، سواء الحكومية أو الخاصة، لهذا التطور، معتبرًا التوجه إلى هذا النوع من المحتوى ضرورة وخطوة جريئة تُحسب للإذاعة “لها لا عليها”.
الإذاعة والبودكاست.. اختلاف لا إلغاء
أوضح المذيع عبدالعزيز الجوهر أن الإذاعة والبودكاست يختلفان تمامًا من حيث المضمون والأسلوب والمحتوى. وأشار إلى أن الإذاعة تعتمد في أغلب برامجها على البث المباشر، مع وجود بعض البرامج المسجلة، إلا أن لها طابعًا وأسلوبًا خاصًا يميزها.
وبيّن الجوهر أن التطور التكنولوجي أتاح مشاهدة البث المباشر للبرامج الإذاعية، وهو تطور جميل يضع المشاهد في قلب الحدث وينقل له أجواء الاستوديو، كما يسهم في تعريف الجمهور بكيفية إدارة البرامج والتعامل مع الأجهزة الإذاعية. وشدد على أن ربط الإذاعة بالبرودكاست على أنهما قالب واحد أمر غير صحيح، مؤكدًا وجود اختلاف كبير في الأسلوب والمحتوى.
وأكد الجوهر أنه لا يمكن لبرامج البرودكاست أن تحل محل الإذاعة أو تسحب البساط منها، مستشهدًا بما حدث مع التلفاز عند ظهوره، حيث اعتقد البعض آنذاك أن الإذاعة ستنتهي، إلا أنها ما زالت حاضرة وقوية. وأشار إلى أن البرودكاست اليوم أصبح مؤثرًا وأساسيًا، بل وأكثر مشاهدة في بعض الأحيان من التلفاز، بحكم تغير الأجيال وتطور وسائل النقل الإعلامي، مختتمًا حديثه بأن الإذاعة ستبقى الرفيق الأول للمستمع، سواء في السيارة أو عبر الهاتف المحمول، مع ما يضيفه البودكاست من قيمة جميلة للمشهد الإعلامي.
البودكاست.. فرصة وانتشار يقابله تحدي المحتوى
ذكر المذيع رائد بن شري، من خلال تجربته في الإذاعة والبرودكاست، أن البودكاست أصبح جزءًا بارزًا من المشهد الإعلامي وإضافة مميزة للإذاعة، إلا أنه يحمل في طياته إيجابيات وسلبيات. وأشار إلى أن بعض برامج البودكاست تفتقر إلى إدارة المحتوى الجيد، رغم الانتشار الواسع الذي تحققه، موضحًا أن هذا الانتشار قد يكون مؤقتًا ويعتمد أحيانًا على الضيف أو محتوى غير هادف.
وشدد بن شري على أهمية دراسة المحتوى قبل تقديمه للجمهور، مؤكدًا أن المحتوى الجيد هو الذي يبقى في الذاكرة ولا يُمحى. وأوضح أن من أبرز مميزات البودكاست سهولة إنتاجه، إذ لا يتطلب إمكانيات أو جهدًا كبيرًا، ما أتاح الفرصة للجميع لتقديم المحتوى وإبراز وجوه جديدة وشابة في الإعلام.
كما أشار إلى أن أسباب نجاح البودكاست تعود إلى وجود أسماء مميزة، والحضور الذهني للمذيع، والتركيز على تقديم حلقات وبرامج ذات جودة عالية، وهو ما يسهم بشكل مباشر في جذب الجمهور واستمراريته. وأعرب عن رأيه حيال من يعتقد أن الإذاعة قد انتهت، مؤكدًا أنها ستظل صامدة ولن تختفي، معتبرًا أنها الوسيلة الإعلامية الوحيدة التي لم ولن تتغير في جوهرها، وأن الإذاعة تشكّل ركيزة أساسية في صناعة المذيع الناجح والمتميز.

