الأحد, 20 سبتمبر 2026|7 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

في طفولته، كان الأمير مساعد بن عبدالرحمن يستمع إلى النصائح وتجارب الرجال في مجلس شقيقه الملك المؤسس عبد العزيز بقصر الحكم في الرياض. هناك، تعلّم كيف تُدار النقاشات وتُوضع الخطط، قبل سنوات من توحيد السعودية عام 1932. ومن تلك المجالس امتدت مسيرته إلى العمل الحكومي والاهتمام بالمعرفة؛ ففتح مكتبته أمام طلاب العلم لتصبح أول مكتبة خاصة متاحة للعموم في الرياض، وتولى مناصب عدة، بينها وزارة المالية التي قادها 13 عامًا. واليوم بعد نحو 40 عاما من وفاته، تستعيد السعودية سيرته بتوجيه ملكي بإطلاق اسمه على الجامعة السعودية الإلكترونية، تقديرًا لإسهاماته الوطنية، لتجمع هذه التسمية بين مسيرته في خدمة الدولة واهتمامه بالعلم والمعرفة.

ولد الأمير مساعد بن عبد الرحمن بقصر الحكم بالرياض 1920 ومنذ سنواته الأولى وجد نفسه في بيئة سياسية وعلمية متميزة فاتجه إلى طلب العلم في كتّاب الشيخ محمد بن مرحوم المعروف بـ"المصيبيح" قبل أن ينتقل إلى حلقات العلم الشرعي واللغوي على أيدي عدد من كبار العلماء ومنهم الشيخ سعد بن عتيق، وفي وقت كان الجميع يكتفي بذلك تميز "الأمير" بتكملة تعليمه حتى نال أعلى مؤهل أكاديمي رسمي آنذاك وهو الإجازة على يد كبار علماء الفقه وعلى رأسهم مفتي الديار السعودية وقتها الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ وهي درجة علمية كانت تعني وقتها الشهادة الجامعية ليكون هو الوحيد من بين أخوته الحاصل على تلك الشهادة.

هذا الشغف العلمي لم يتوقف عند حدود التحصيل الشخصي بل تحول سريعًا إلى مشروع تنويري رائد ففي عام 1944 وحين بلغ الأمير مساعد 24 عامًا أسس أول مكتبة عامة في الرياض ولم تكن مجرد مخزن للكتب فبفضل حيويته ونشاطه حولها إلى منارة ثقافية حية يقصدها يوميًا طلبة العلم والباحثين والمثقفين الذين فتح لهم مكتبته دون قيود، وفي هذه الأجواء تداخل الأمير مع زواره يستمع إليه ويناقشهم، كما تبادل معهم الآراء وحرص على زيارة العلماء في مجالسهم وهذا الحراك المعرفي والاجتماعي المباشر وصهر الأفكار المختلفة لم يجعله فقط قادرًا على فهم طبيعة الإنسان السعودي بل ماذا يحتاج أيضًا في المستقبل.

لذلك حين أسند إليه أول مهامه العامة في 1954 لم تكن مهمة عادية إذ كان مطلوبًا منه أن يصيغ النظام التأسيسي لأعقد الأجهزة وأكثرها حساسية وقتها وهو ديوان المظالم، وأمام هذا التحدي نجح الأمير في إرساء قيم العدالة والإنصاف كما فادته الثقافة الواسعة في تطبيق ما قرأ عنه من النظم العالمية وهذا أهله لرئاسة ديوان المراقبة العامة الذي يعد من أعلى الأجهزة الرقابية لتظهر شخصيته الصارمة التي لا تساوم في تطبيق النظام وحفظ المال العام وهي فلسفة إدارية رافقته طويلًا وجعلته موضع ثقة القيادة في أشد المناصب حساسية.

قادته تلك الصفات لتولي وزارة الداخلية في 1960 لكنه لم يمكث فيها طويلًا لحاجة الحقيبة الوزارية الأهم آنذاك إليه وهي وزارة المالية 1962 ففي وقت كانت السعودية تقفز فيها اقتصاديًا وتعيش لاحقًا طفرة النفط تولى الأمير مساعد بن عبدالرحمن على مدى 13 عامًا هندسة كل هذا وتوفير الاستقرار المالي، وكالعادة قام ببناء منظومة تشريعية مالية وتنظيم هيكل الميزانية الحكومية وحتى مع فوائض النفط برزت حنكته في إدارة هذه الثروة المفاجئة بكبح التضخم وتوجيه العوائد بصرامة لتمويل مشاريع البنية التحتية والخدمات الكبرى، وبناء المصانع والمدارس والمستشفيات التي أرست قواعد الدولة الحديثة ونقلت الاقتصاد السعودي من النمط التقليلدي إلى مرحلة النمو.

بعيدّا عن تلك المسيرة الاستثنائية في أروقة العمل السعودي وحتى بعد تقاعده كان للأمير مساعد بن عبدالرحمن وجه آخر في حياته الخاصة يفيض بالشغف، إذ عرف بعشقه العميق للزراعة وارتباطه الوثيق بالفلك ولم يكن ذلك مجرد قضاء للوقت بل تحول إلى دراسة وتأمل حتى غدا خبيرًا فلكيًا دقيقا في حساب تقلبات الأنواء ومواسم البروج وجغرافيا الجزيرة العربية، هذا الاتصال بالطبيعة انعكس على فلسفته الخاصة في الحياة إذ تميز أيضًا بجرأة فكرية علنية وشجاعة نادرة في مناقشة وطرح الآراء التي قد تخالف الشائع لكنه كان يستند إلى الثقافة الموسوعية والبحث عن الجوهر لا التلقين، حتى إن جميع من زاره في مكتبه روى أنه كان يضع لوحة إعلانية علنية عند مدخله يكتب عليها بنفسه توصيات بأحدث الكتب والمؤلفات ليوجه بوصلة القراء نحو العلم.

ما سبق ليس إلا المسيرة العلنية للأمير مساعد بن عبد الرحمن والإنجازات التي ظهرت للنور لكنها لا تعبر عن كل أفكاره التي استبق بها عصره ورأى عبرها المستقبل مثل انشغاله المبكر بالتطوير العقاري، وطرحه في عهد الملك فيصل وبداية عهد الملك خالد أن يسمح للقطاع الخاص بقيادة هذا المجال، لكن فكرته قوبلت بالرفض لـ"ظرف تاريخي" كما كشف بذلك سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي لم يكتفِ بـتصحيح التاريخ، بل أحيا تلك الأفكار بتأسيس شركة روشن للتطوير العقاري في 2020 وأعاد تسليط الضوء على مسيرة الأمير مساعد بن عبدالرحمن بإطلاق اسمه على الجامعة السعودية الإلكترونية ليتردد اسمه يوميًا بين الطلاب وليدركوا أن النجاح يبدأ من طلب العلم وأن الأفكار مهما تأجلت لها موعد تنفيذ.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية