الجمعة, 9 أكتوبر 2026|26 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

انضمت السعودية إلى مصاف أغنى دول العالم بفضل صادراتها النفطية. لكن داخل المملكة، بنت مجموعة من عائلات الأعمال ثروة تتجاوز 9 مليارات دولار من الرهان على سلعة أساسية أكثر: المياه.

بدأت شركة "أكوا" (ACWA)، المملوكة جزئياً لهذه العائلات، ببناء محطة لإنتاج المياه والكهرباء لتزويد مدينة مكة المكرمة، قبل أن تتوسع لتصبح واحدة من أكبر شركات تحلية المياه في دول الخليج الصحراوية.

وسلّطت الحرب مزيداً من الضوء على اعتماد الشرق الأوسط على تحلية المياه، إذ سارعت الحكومات إلى طمأنة السكان إلى قدرتها على ضمان استمرار الإمدادات، حتى مع تعرض بعض المنشآت في المنطقة لهجمات في ذروة الصراع.

ثروات تنمو مع أولويات السعودية

رغم أن البنية التحتية في الخليج لا تزال عرضة للتهديد مع استمرار الصراع، فإن الانتشار الواسع لمنشآت "أكوا" يُتوقع أن يحدّ من المخاطر التي تواجهها. فقد دأبت الشركة السعودية على توسيع محفظتها من محطات المياه والكهرباء ومشاريع الطاقة المتجددة في الشرق الأوسط وخارجه.

تبلغ القيمة السوقية لـ"أكوا" 34.9 مليار دولار، فيما تمتلك عائلتا أبو نيان والمهيدب السعوديتان معاً ما لا يقل عن 26.3% من أسهمها، بصورة مباشرة وعبر شركتهما القابضة المشتركة "فيجن إنفست" (Vision Invest)، وفق إفصاحات وحسابات "مؤشر بلومبرغ للمليارديرات". أما صندوق الاستثمارات العامة السعودي، البالغة أصوله 905 مليارات دولار، فهو أكبر مساهم في الشركة بحصة 44.2%.

يُعد الاستثمار في "أكوا" من أبرز نماذج تكوين الثروات في القطاع الخاص السعودي، إذ يعكس كيف تبني تكتلات عائلية ثروات ضخمة عبر أنشطة تتماشى مع الأولويات الاستراتيجية للمملكة.

وقد تجد العائلات في أنحاء الخليج نفسها أمام فرصة جديدة للاستفادة، بعدما دفع الصراع الإقليمي الحكومات إلى تحويل نظرها إلى الداخل وتعزيز بنيتها التحتية المحلية وتحصينها من الصدمات المحتملة.

وتشكل تحلية المياه محركاً رئيسياً لنمو إيرادات "أكوا"، فيما تمنح العقود طويلة الأجل المرتبطة بهذا النشاط الشركة "حماية جزئية من فترات التباطؤ الاقتصادي قصيرة الأجل"، وفق براتيك بهاتناغار، المحلل لدى "جيفريز" (Jefferies). وأشار إلى أن تطوير تحلية المياه والطاقة النظيفة والبنية التحتية للطاقة المتجددة هو أيضاً ركن أساسي في خطط السعودية طويلة الأجل.

المياه تجذب مزيداً من الاستثمارات

نفذت "أكوا" العام الماضي واحدة من أكبر زيادات رأس المال عبر حقوق الأولوية في تاريخ السعودية، فيما شهد سهمها تقلبات حادة، وسجل تراجعات كبيرة في بعض السنوات.

مع ذلك، تتوقع مؤسسات "وول ستريت" استمرار الطلب على البنية التحتية للمياه. فمع مواجهة دول حول العالم ظواهر مناخية قاسية ونقصاً في المياه النظيفة، ضخ مديرو أصول ومستثمرو ملكية خاصة، من "بلاك روك" (BlackRock) إلى "إي كيو تي" (EQT)، استثمارات في مشاريع مرتبطة بالمياه. وتزداد الحاجة إلى هذه المشاريع في دول الشرق الأوسط الصحراوية.

تتركز في الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، ومنها السعودية وقطر والإمارات، نحو نصف الطاقة الإنتاجية لمنشآت تحلية المياه القائمة في العالم، حيث يعتمد عشرات الملايين من السكان على المياه المعالجة.

لكن الحرب أفرزت تحديات جديدة، وسلطت الضوء على المخاطر التي تهدد المنشآت الحيوية في أنحاء المنطقة. فقد أعلنت الكويت والبحرين تعرض مشاريع لتحلية المياه فيهما لضربات في وقت سابق من هذا العام.

وقالت "أكوا" في تقرير للمستثمرين صدر في يونيو: "منذ اندلاع الصراع، تعرضت بعض منشآت المجموعة في المنطقة لهجمات"، من دون الكشف عن تفاصيل. وأضافت أن الشركة، رغم ذلك، "لديها إطار تشغيلي متين للتعامل مع المخاطر المرتبطة بذلك".

لم يستجب ممثلو العائلات الثلاث ولا "أكوا" لطلبات التعليق.

تقول "فيجن إنفست" على موقعها الإلكتروني إنها تهدف إلى الاستفادة من الفرص التي تتيحها خطة التنويع الاقتصادي ضمن رؤية 2030 السعودية، ودعم التحول الاقتصادي للمملكة.

من مكة إلى الأسواق العالمية

تأسست "أكوا" عام 2004 على يد ثلاث عائلات. واكتسب محمد أبو نيان، صاحب أكبر حصة فردية في الشركة، خبرته في قطاع المياه من العمل مع والده، الذي كان من رواد استخدام المضخات التوربينية العاملة بالديزل في الري.

لكن هذا النشاط تعرض لانتكاسات، أبرزها حرب الخليج التي أحدثت اضطراباً حاداً في القطاع، بحسب ما قاله أبو نيان في فعالية لرجال الأعمال عام 2009، ما دفعه إلى تنويع أعماله خارج قطاع الري.

أما قطب الأعمال سليمان المهيدب، فينتمي إلى عائلة ناشطة تجارياً في قطاعات متنوعة، تشمل الأغذية والعقارات وقطاعات أخرى.

المؤسس الثالث، أحمد الراجحي، فينتمي بدوره إلى عائلة بارزة في الاستثمار والصناعة. وعند الطرح العام الأولي لـ"أكوا" في 2021، كانت عائلة الراجحي تمتلك 11.2% من الشركة عبر "مجموعة الراجحي القابضة".

وفي إطار إعادة هيكلة داخلية عام 2023، أعلنت المجموعة نقل أسهمها في "أكوا" إلى محافظ استثمارية تابعة لشركات يملكها المساهمون أنفسهم في "مجموعة الراجحي القابضة".

لم يكشف الإفصاح عن أسماء الشركات التي انتقلت إليها الأسهم، كما لم تظهر في الإفصاحات الأحدث أي كيانات مرتبطة بعائلة الراجحي ضمن كبار مساهمي "أكوا" الذين يملكون حصصاً تبلغ 5% أو أكثر. وبالأسعار الحالية، تصل قيمة حصة نسبتها 11.2% إلى نحو 3.9 مليار دولار.

بداية "أكوا" في المياه والطاقة

بدأت "أكوا" في 2005 تطوير مشروع الشعيبة المستقل للمياه والطاقة، باستثمارات بمليارات الدولارات، بعد فترة وجيزة من تحرير المملكة قطاع المرافق. وكان تأمين المياه إلى مكة، خصوصاً خلال ذروة موسم الحج، مسألة ترتبط بالأمن القومي والواجب الديني في آن واحد.

منذ ذلك الحين، تحولت "أكوا " إلى لاعب رئيسي محلياً وعالمياً، لتصبح من أكبر شركات تحلية المياه الخاصة في العالم، ومن أكبر منتجي الكهرباء في السعودية. كما تؤدي دوراً محورياً في خطط المملكة لزيادة حصة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة، وحصلت أخيراً على موافقة حكومية تمنحها الحق الحصري في تصدير الهيدروجين الأخضر المنتج في السعودية إلى الأسواق العالمية.

وبدأت الشركة في 2024 التوسع في الصين عبر مشاريع للطاقة المتجددة، فيما تدرس فرص دخول السوق الأميركية.

يرى بهاتناغار أن انتشار أعمال "أكوا" يوفر لها قدراً من الحماية من المخاطر الأمنية المرتبطة بالحرب، إذ تضم محفظتها أكثر من 100 أصل موزع على مواقع مختلفة، فيما تتوسع الشركة تدريجياً خارج الخليج إلى أسواق مثل المغرب وأوزبكستان ومصر وتركيا.

وأضاف: "يسهم هذا التنويع في الحد جزئياً من التأثير المحتمل على محفظة الشركة ككل".

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية