السبت, 15 أغسطس 2026|1 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

"هذه قريتنا.. هنا بيتنا".. هكذا تصف بائعة من جنسية عربية واقع سوق النساء الشعبي في حي طويق جنوبي الرياض. والحكاية في هذا السوق العتيق لا تبدأ من باب المحل ولا تنتهي عند صندوق الحساب. والسلعة للنساء، والبائعات نساء، والزبائن نساء.

السوق الممتد عمره منذ ثلاثة عقود حافظ على أسواره رغم التمدن الحاصل في غالبية الأسواق القديمة في العاصمة السعودية. ولا يقتصر الأمر على السور فقط، هنا البائعات تحولن مع مرور الوقت إلى ما يشبه جارات المنازل، والمحال إلى بيوت متجاورة. وباتت فكرة الخروج من السوق بالنسبة للبائعات بمنزلة مغادرة نمط حياتي معتاد.

الإيجارات تتضاعف والمبيعات تتراجع

مرزوقة القحطاني التي تعمل في بيع الملابس النسائية داخل السوق منذ عقدين من الزمان، تستذكر قصة السوق بين الماضي والحاضر، إذ ترى أن في الماضي كانت المحال تكتظ بالزبائن يوميا بينما يقتصر الأمر الآن على المواسم.

وتقول القحطاني: "السوق كان أفضل قبل تسع سنوات، لكن الحركة بدأت بالضعف تدريجيا، وارتفعت الإيجارات.. إيجار المحل كان 15 ألف ريال، والحين صار 32 ألف ريال".

ولا تقف الضغوط عند ارتفاع الإيجارات، إذ تشير القحطاني إلى أن أسعار البضائع ارتفعت هي الأخرى مقارنة بالسابق، وأنها تحتاج إلى مخزون لا تقل قيمته عن 30 ألف ريال حتى يكون متجرها قادرا على تلبية طلبات الزبائن. وتضطر أحيانا إلى الاستعانة بأفراد أسرتها لتمويل المحل عندما لا تكفي المبيعات لتغطية احتياجاته.

تأسست القرية الشعبية في الرياض عام 1992 على مساحة تقدر بنحو 75 ألف متر مربع، وتضم أكثر من ألف محل ووحدة تجارية موزعة على أسواق متعددة. وعلى الرغم من مرور أكثر من 3 عقود على نشأتها، لا يزال سوق النساء يحتفظ بجزء كبير من ملامحه القديمة والعلاقات التي تشكلت بين بائعاته وزبائنه.

Untitled design(2)

التسوق الإلكتروني يغير المشهد

هدى عبد الرحمن، المشرفة على السوق منذ 14 عاما، تستذكر فترة كانت فيها الزبونات يصلن قبل فتح الأبواب، وأحيانا منذ السابعة صباحا، لينتظرن عند بوابات السوق.

لكن المشهد تغير اليوم، بحسب هدى، سواء من حيث أعداد المتسوقات أو حركة البيع والشراء. وتقول "إن الساعات الأولى من النهار قد تمر دون حضور يذكر للمتسوقات، فيما يبدأ السوق في استعادة شيء من حركته بعد العصر".

وتقدر هدى تراجع المبيعات بنحو 70% أو أقل مقارنة بما كان عليه السوق في السابق، وترى أن انتشار التسوق الإلكتروني كان أحد العوامل الرئيسية وراء هذا التحول.

Mon, 03 2026

وكانت مشاغل سوق النساء من أوائل الأنشطة التجميلية التي ظهرت فيه، خلف ستائر بسيطة تغطي المداخل وتحافظ على خصوصية النساء في الداخل، في مشهد بعيد عن لغة الأسواق الحديثة، لكنه يلخص طبيعة مكان حافظ على أنشطته التقليدية لسنوات طويلة.

في المقابل، تغير السوق من حوله. توسعت المراكز التجارية وانتشرت المشاغل والمراكز في الأحياء، قبل أن تدخل منصات التجارة الإلكترونية دائرة المنافسة، مانحة المتسوقة إمكانية شراء احتياجاتها من المنزل دون الحاجة إلى قطع الطريق إلى السوق.

علاقات تتجاوز حدود البيع والشراء

لولوة، وهي وافدة عربية تعمل في السوق منذ 23 عاما، لا تحتاج إلى كثير من الكلمات لتشرح سبب بقائها. تقول: "صديقاتي هنا ولا أقدر أطلع من السوق"، فرغم تشجيع بناتها لها على الانتقال إلى مواقع قد تكون أكثر جدوى تجاريا، اختارت البقاء في المكان الذي اعتادت عليه طوال هذه السنوات.

هذه العلاقات الممتدة بين البائعات تكشف جانبا آخر من السوق لا يرتبط مباشرة بحجم المبيعات، إذ أصبح المكان بالنسبة إلى بعضهن جزءا من نمط الحياة اليومية، وليس مجرد موقع لممارسة النشاط التجاري.

منيرة العتيبي، التي لم تعد ترتاد السوق كما في السابق، ترى أن الشراء من المتاجر لا يزال خيارا مهما خلال المناسبات، خصوصا مع إمكانية معاينة القطعة ولمسها والتعامل مباشرة مع البائعة. لكنها تشير إلى أن أسعار بعض المنتجات في السوق بدت لها أعلى بنحو 25% مقارنة بالأسعار المتاحة عبر المتاجر الإلكترونية.

أما ريم محسن فتقول "إن معظم مشترياتها أصبحت تتم عبر الإنترنت، خصوصا الملابس، لكنها تعود إلى السوق عندما تبحث عن منتجات يصعب العثور عليها في المتاجر العادية أو تريد قطعا ذات طابع شعبي". وفي بعض الأحيان، بحسب تجربتها، تجد أسعارا أفضل من المواقع الإلكترونية، خصوصا عندما تدخل مهارة التفاوض على السعر.

Untitled design(1)

الخامة والتجربة في مواجهة الشاشة

وإذا كانت ريم تجد في السوق ما لا توفره المتاجر الإلكترونية بسهولة، فإن ماجدة ياسين ترى أن المنافسة مع الشاشة لا تحسم دائما بالسعر أو سرعة الشراء، بل بما يحدث عندما تصبح القطعة بين يدي الزبونة.

تعمل ماجدة في السوق منذ 17 عاما، وتقول إن جزءا من زبائنها اتجه إلى منصة "شي إن"، قبل أن يعود بعضهم إليها بعد تجربة منتجاتها، موضحة أن البضائع التي تستوردها من مصر تختلف من حيث الخامة والتفصيل عما يجده الزبائن عبر المنصات الإلكترونية.

وبالنسبة إلى ماجدة، يصعب نقل تجربة الشراء كاملة إلى شاشة الهاتف. فالزبونة قد تعرف مقاسها، لكنها لا تعرف بالضرورة كيف ستبدو القطعة عليها أو كيف ستكون خامتها قبل رؤيتها ولمسها. لذلك لا ترى أن البيع عبر الإنترنت يمثل حلا سهلا لمتجرها، إذ يبقى هناك فارق بين اختيار قطعة من صورة، وبين معاينتها وفحصها قبل اتخاذ قرار الشراء.

المواسم رهان البائعات لتعويض هدوء العام

لم تعد الزبونة تأتي إلى السوق لأنها لا تملك خيارا آخر، بل لأنها تجد فيه أحيانا ما لا تمنحه شاشة الهاتف. إلا أن هذه الميزة وحدها لا تكفي دائما لتغطية تكلفة البقاء، ففي الوقت الذي تغيرت فيه عادات الشراء، ارتفعت تكلفة تشغيل المحال وتراجعت الحركة اليومية، لتصبح المواسم بالنسبة إلى كثير من البائعات محطة أساسية لتعويض تراجع المبيعات خلال بقية العام.

بعض البائعات يراهن على المواسم، وأخريات على المنتجات التي يصعب استبدالها بالشراء الإلكتروني، فيما تراهن مجموعة أخرى على العلاقات التي نسجتها على مدى سنوات مع الزبائن والبائعات.

هذه الروابط أصبحت أحد أسباب تماسك السوق واستمراره، وتحولت مع مرور الوقت إلى قيمة اقتصادية غير مباشرة، تحفظ للمتاجر جزءا من زبائنها، وفي الوقت نفسه تمنح سوق النساء قدرة على الصمود أمام التحولات التي أعادت رسم خريطة تجارة التجزئة وعادات التسوق.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية