لا يرتبط هوس جيل زد بترند "أجواء 2016" بفلاتر إنستجرام أو سناب شات بقدر ما يعكس تحوّلا اقتصاديا وثقافيا أعمق. فهذا الجيل يبلغ سن الرشد في عالم اختفت فيه خدمات النقل الرخيصة، والتوصيل منخفض التكلفة، والإنترنت الأقل قيودا، ليحل محلها اقتصاد رقمي ناضج وأكثر تكلفة. وما يبدو كموضة حنين عابرة هو في جوهره رد فعل على واقع اقتصادي مختلف تماماً.
على تيك توك وإنستجرام، تحوّل ترند 2016 إلى أسلوب بصري ومزاج عام متكامل، من نوعية المقاطع والموسيقى إلى الفلاتر التي تعيد تقديم الحاضر بروح الماضي. وتشير بيانات إلى قفزة بأكثر من 450% في عمليات البحث عن "2016" على تيك توك مطلع يناير، مع أكثر من 1.6 مليون فيديو يحتفي بمظهر ذلك العام، حسب مجلة فورتشن.
وتؤكد مؤشرات جوجل هذا الاتجاه، إذ سجّلت عمليات البحث المرتبطة بـ"لماذا يتحدث الجميع عن 2016" مستويات قياسية. ويذهب صانعو المحتوى إلى أبعد من ذلك، مستخدمين عبارات مثل “2026 هو 2016 الجديد”، ومقارنات بصرية بين حفلات منزلية ومهرجانات وتجمعات تبدو أكثر عفوية وسلاسة مما يعيشه الشباب اليوم.
ورغم أن هذه المقارنات قد تبدو مبالغاً فيها لمن عاشوا 2016 بكل ضغوطه، فإن جوهر الظاهرة اقتصادي بامتياز. فجيل الألفية استفاد من ذروة وادي السيليكون قبل عقد، بينما يصل جيل زد متأخرا إلى عالم باتت تكلفة الدخول إليه أعلى بكثير، ما يجعل الحنين تعبيرا عن فجوة في الفرص أكثر منه شوقا إلى الماضي.
من دعم وادي السيليكون إلى واقع التكاليف المرتفعة
بالنسبة إلى جيل الألفية، مثّل 2016 ذروة مرحلة كان فيها وادي السيليكون مرادفاً لتوسيع الفرص لا تقليصها. رأس المال الجريء كان وفيرا ورخيصا، والمنصات الرقمية زهيدة، فيما عملت البرمجيات لمصلحة المستخدم الفردي. شركات "اليونيكورن" الغنية كانت تتنافس على جذب المستخدمين بعروض سخية، ما جعل أدوات الاقتصاد التشاركي مثل أوبر وأير بي إن بي في ذروة قدرتها على خفض تكاليف المعيشة وجعل الحياة الحضرية أكثر سلاسة.
يتذكر جيل الألفية الأكبر سنا واقعا استهلاكيا محدداً: رحلات أوبر أرخص من سيارات الأجرة، وطلبات طعام تصل خلال دقائق برسوم زهيدة. وقد وصف الصحافي كيفن روز هذا النموذج لاحقاً بـ"دعم نمط حياة جيل الألفية"، حين كانت شركات التكنولوجيا تموّل بشكل غير مباشر أنماط المعيشة الحضرية سعياً لاكتساب الحصة السوقية، تماما كما فعلت أمازون ونتفليكس في سنواتهما الأولى. هذا الدعم أتاح، على حد وصفه، "أسلوب حياة فاخر بميزانيات متواضعة".
في المقابل، لم يعش جيل زد هذه التجربة. فالتنقل الرخيص، والتوصيل منخفض التكلفة، وخيارات الترفيه شبه المجانية لم تكن جزءاً من واقعهم. بالنسبة لهم، تبدو حياة المدن السلسة التي ميّزت 2016 اليوم أقرب إلى ذكرى من الماضي، بعدما أصبحت الرسوم المرتفعة وكثرة العراقيل اليومية جزءا طبيعيا من الحياة الرقمية والاقتصادية.
لحظة توقف التكنولوجيا عن كونها ممتعة
في مرحلة ما، تغيّرت العلاقة مع شركات التكنولوجيا جذريا. فالصورة التي رُسمت لها في السابق بوصفها جهات مبتكرة وذات نوايا حسنة، تسعى إلى "التقدم السريع وكسر القواعد" لخدمة المجتمع، تلاشت مع تصاعد الشكوك العامة ضد القطاع. جاءت فضيحة كامبريدج أناليتيكا لتقويض الثقة، وأثارت مخاوف واسعة بشأن الخصوصية، في وقت بدأ فيه مسؤولون سابقون في القطاع، مثل تريستان هاريس، التحذير من الطبيعة الإدمانية للخوارزميات.
وعندما دخل وادي السيليكون دورة ازدهار جديدة بعد إطلاق "تشات جي بي تي" في 2022، وظهور جيل جديد من رواد الأعمال والشركات الناشئة العملاقة، قوبل هذا الصعود بتشكك واسع من جيل زد. فبدلا من الفرص، بات الذكاء الاصطناعي يُنظر إليه كتهديد مباشر، خصوصاً مع تولي الأنظمة الذاتية مهام العمل المبتدئ التي كانت تمثل بوابة الدخول لسوق العمل.
تشير البيانات إلى تقلص حاد في توظيف الخريجين الجدد منذ 2023، في ما يصفه الاقتصاديون بـ"النمو بلا وظائف". وبدلاً من جعل التكنولوجيا أكثر متعة وجماعية، كما كانت الحال في 2016، غمرت أدوات الذكاء الاصطناعي المنصات بمحتوى منخفض الجودة، ما قلب علاقتها بالمستخدمين من أداة تمكين إلى عبء مفروض.
رؤية جيل زد من الحاضر
يشير مراقبون إلى أن موجة الحنين إلى 2016 تقودها أجيال الألفية، لكن جيل زد هو من حوّلها إلى ظاهرة منتشرة واسعة. فكثير من أبناء هذا الجيل كانوا في 2016 أطفالا أو مراهقين صغارا، يتذكرون الأجواء، لكنهم أصغر من أن يخوضوا في تفاصيل ذلك العام الفعلية. ومع دخولهم سن الرشد مثقلين بالتعليم، وفرص عمل هشّة، وارتفاع متواصل في تكاليف المعيشة، تتحول التفاصيل اليومية البسيطة إلى دلائل على زمن لم يتح لهم العيش فيه.
بهذا المعنى، يمثل ترند "أجواء 2026" محاولة لمعالجة إحساس أساسي بعدم العدالة: جيل زد ورث المنصات الرقمية، لكنه لم يرث الامتيازات التي صاحبتها في بداياتها. تجادل كيسي لويس بأن هذه الموجة، رغم أن الجيل زد هو من ضخم انتشارها، تبقى في جوهرها ظاهرة "ألفيّة بامتياز"، تعكس إعادة تقييم متأخرة لثقافة صنعتها تلك المرحلة. فـ2016، يجسد نسخة من الحياة الحديثة كانت فيها التكنولوجيا متقدمة، لكن الوصول إليها أقل تكلفة وأكثر مرونة.

