لم تبدأ قصة «طابور» بخطة لإنشاء سلسلة مطاعم تنتشر في عشرات المدن، بل بسؤال يومي بسيط كان يلاحق عبدالله الغامدي في طريقه إلى العمل: أين يمكن أن أتناول فطورا سريعا وحديثا يتجاوز الخيارات التقليدية للكافتيريات؟
هذا السؤال تحول في 2023 إلى مشروع صغير في ينبع برأسمال لم يتجاوز 280 ألف ريال وفرع واحد، قبل أن يقفز خلال 3 أعوام إلى 53 فرعا موزعة على 27 مدينة سعودية، وينمو رأسمال الشركة 143% ، فيما استحوذت "طابور" قبل 6 أشهر على مطعم "سطار" لترفع عدد الفروع من فرعين إلى 13 فرعا.
وتستعد طابور اليوم لمرحلة جديدة تشمل التوسع خارج السعودية، وإطلاق علامتين جديدتين، مع توجه مستقبلي نحو لطرح الشركة في السوق الموازية "نمو" وحصلت على جائزة الأوسكار في قطاع التجزئة كنموذج أسرع توسعا في 2025.
المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة طابور الغذائية عبدالله الغامدي، لم يدخل عالم المطاعم من بوابته التقليدية، فالرجل أمضى 13 عاما موظفاً في أرامكو، وعمل في قسم التخطيط، وهي خبرة يقول إنها انعكست على طريقته في قراءة الفرص وبناء خطط التوسع.
فرصة بدأت من احتياج شخصي
كان الغامدي يرى أن الفطور يمثل وجبة أساسية للموظفين ومن يبدأون يومهم مبكراً، إلا أن الخيارات المتاحة حينها لم تكن، بحسب وصفه، تواكب التطور الذي شهده قطاع المطاعم السعودي.
يقول لـ "الاقتصادية": كنت أبحث عن فطور يومي بطريقة حديثة، وفي ذلك الوقت كانت علامات الفطور لا تزال قطاعا ناشئا، بينما بدأت المفاهيم المحلية في المطاعم تتطور بشكل كبير، فرأيت أن هناك فرصة.
دخل التجربة بتوقعات محدودة، لكن الإقبال على أول فرع في ينبع غيّر الحسابات سريعاً. وبعد عام تقريباً من إدارة المشروع بمفرده، قرر نقل الفكرة من مشروع شخصي إلى شركة قابلة للنمو، واستقطاب شركاء يمكنهم دعم التوسع.
بالنسبة للغامدي، لم يكن البحث عن الشريك مرتبطا برأس المال فقط، إذ يرى أن التمويل يمكن الحصول عليه من البنوك وغيرها، لكن الشريك الحقيقي يجب أن يضيف شيئاً تفتقده الشركة، سواء علاقات أو خبرة أو فرصا جديدة.
من فرع واحد إلى 53 فرعا
تسارع نمو «طابور» بعد تحويل المشروع إلى شركة والتوسع بنظام الامتياز التجاري. فمن فرع واحد في 2023، ارتفع العدد إلى نحو 3 أو 4 فروع في 2024، ثم وصل إلى 27 فرعاً في 2025، قبل أن يبلغ 53 فرعاً في 2026.
لم يتركز التوسع في المدن الكبرى فقط، إذ تنتشر العلامة اليوم في 27 مدينة سعودية، بينها 5 فروع في الرياض و10 في جدة، إلى جانب مدن ومحافظات أصغر.
هذا الانتشار حمل معه تحدياً لم يكن حاضراً عندما كان النشاط مقتصراً على ينبع؛ وهو كيفية نقل المواد بين مناطق السعودية والمحافظة في الوقت نفسه على مستوى موحد من الجودة.
يقول إن اتساع مساحة السعودية جعل الخدمات اللوجستية، ولا سيما النقل المبرد والمجمد بين المدن، أحد أبرز تحديات النمو، ما دفع الشركة بالتوازي مع افتتاح الفروع إلى تطوير فرق الجودة والتسويق والتقييم والإدارة.
الذائقة تختلف من مدينة إلى أخرى
لا تتعامل «طابور» مع السوق السعودية باعتبارها سوقاً متجانسة في تفضيلاته. فالشركة التي بدأت بنحو 10 منتجات تقدم اليوم قرابة 18 منتجاً، لكنها وجدت مع الانتشار أن المنتج الناجح في مدينة قد لا يحقق المستوى نفسه من الطلب في مدينة أخرى.
لذلك تعتمد الشركة، بحسب الغامدي، على تحليل المبيعات وسلوك العملاء في كل مدينة، وتكييف تركيزها على المنتجات وفقاً للطلب المحلي.
يرى أن ارتفاع ذائقة المستهلك السعودي أسهم بصورة مباشرة في تطور قطاع المطاعم، مشيراً إلى أن الشركة تتابع تقييمات العملاء وتعليقاتهم على المنصات الرقمية بصورة يومية لاكتشاف أي اختلاف في الجودة بين الفروع.
يقول: "السوق لا يحتاج إلى المكابرة، ولا يوجد أحد أكبر من السوق"، مستشهدا بمنتج أطلقته الشركة ولم يحظ باستحسان العملاء، لتقرر تغييره خلال 3 أيام فقط بدلاً من انتظار تغير سلوك المستهلك تجاهه.
الاستحواذ يفتح مسارا للنمو
لم يعد نمو الشركة يعتمد على «طابور» وحدها. فقد اتجهت الشركة إلى الاستحواذ على علامة مطاعم «سطار»، التي كانت تمتلك فرعين عند الاستحواذ، قبل أن يرتفع عدد فروعها إلى 12 فرعاً خلال نحو 6 أشهر.
بالتوازي مع ذلك، تعمل الشركة حالياً على إطلاق علامتين جديدتين للمطاعم في السوق السعودية، في خطوة توسع محفظتها من العلامات بدلاً من الاعتماد على مفهوم واحد.
يشير الغامدي إلى أن إحدى تجارب الشراكة في الشركة حققت نمواً لافتاً، إذ ارتفعت قيمة استثمار أحد الشركاء إلى نحو 11 ضعفاً خلال عام ونصف، وهو ما يراه دليلاً على أهمية بناء الشراكات على وضوح الأدوار وتكامل الخبرات وخطط النمو.
الانتشار خارجيا على الأجندة
بعد الانتشار محلياً، تضع الشركة التوسع الدولي ضمن أهدافها للعامين 2026 و2027، وتجري تحركات للدخول إلى سوق خليجية وأخرى عربية، مع توقعات بإمكانية الإعلان عن أول اتفاق خارجي خلال الفترة المقبلة بعد اكتمال التوقيع.
رغم ذلك، يقول الغامدي إن الأولوية لا تزال للسوق السعودية، إذ ترى الشركة أنها لم تصل بعد إلى كامل طاقتها محلياً، فيما تدرس الأسواق الخارجية بعناية، خصوصاً ما يتعلق بالأنظمة وحماية حقوق مانح الامتياز والمستثمر وإمكانية تحويل الأموال.
ويلفت إلى دور وزارة التجارة واتحاد الغرف السعودية والمجالس التجارية المشتركة في فتح قنوات أمام العلامات المحلية الراغبة في التوسع دولياً، من خلال ورش العمل وربط الشركات بالمستثمرين والفرص في الأسواق الخارجية، إضافة إلى برامج الدعم المتاحة لتصدير العلامات السعودية.
«نمو» محطة مستقبلية
من رأسمال بلغ 280 ألف ريال عند افتتاح أول فرع، دخلت «طابور» مرحلة مختلفة تماماً من حيث حجم النشاط وعدد العلامات والفروع، فيما يقول الغامدي إن تقييم الشركة الحالي لا يمكن الإفصاح عنه.
مع استمرار التوسع، يكشف الغامدي عن توجه لطرح شركة طابور الغذائية مستقبلاً في السوق الموازية «نمو»، في خطوة من شأنها، حال تنفيذها، أن تنقل المشروع الذي بدأ بفرع صغير في ينبع إلى مرحلة جديدة من النمو المؤسسي.
بين فرع واحد و53 فرعاً، ثم الاستحواذ وإطلاق علامات جديدة والاستعداد للخروج إلى أسواق خارجية، تختصر تجربة «طابور» تحولاً أوسع يشهده قطاع المطاعم السعودي؛ حيث لم تعد العلامات المحلية تكتفي بمنافسة العلامات الأجنبية داخل السعودية، بل بدأت بنفسها لتصبح هي الأخرى علامة قابلة للتصدير.



