الأربعاء, 30 سبتمبر 2026|17 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

لم تعد الفجوة المالية في الولايات المتحدة تقتصر على الفرق بين الطبقة العاملة والأثرياء اليوم. فبفضل موجة الصعود التاريخية في "وول ستريت"، تضاعفت ثروات النخبة فاحشي الثراء في البلاد بمعدلات غير مسبوقة، ما باعد بينهم وبين بقية الأثرياء مسيرة ألف ميل.

تظهر البيانات الحديثة الصادرة عن مجلس الاحتياطي الفيدرالي، والتي تمتد حتى نهاية شهر يونيو، أن شريحة أعلى 0.1% من أثرياء الولايات المتحدة قد ضاعفت صافي ثروتها الإجمالي بأكثر من الضعف منذ نهاية عام 2019. وقد مثل العام الذي اندلعت فيه الجائحة نقطة تحول حاسمة، إذ بدأ فاحشو الثراء بالانفصال الصريح عن بقية الفئات، وفقاً لتحليلات صحيفة "وول ستريت جورنال" المستندة إلى بيانات البنك المركزي.

بالأرقام، حققت هذه الفئة المحدودة مكاسب مذهلة بلغت 14.5 تريليون دولار خلال تلك الفترة، وتدفقت الحصة الكبرى منها، نحو 10 تريليونات دولار، مباشرة من أرباح الأسهم وصناديق الاستثمار المشتركة. وتسيطر هذه النخبة حالياً على نحو 28 تريليون دولار، وهو ما يعادل نحو 15% من إجمالي الثروة الوطنية للولايات المتحدة البالغة نحو 186 تريليون دولار، بمتوسط ثروة يتجاوز 200 مليون دولار للأسرة الواحدة في هذه المجموعة.

الشريحة تتألف من 137 ألف أسرة فقط

تتألف هذه الشريحة من نحو 137 ألف أسرة فقط. وتكشف بيانات الفيدرالي لعام 2022 أن الحد الأدنى لدخول نادي أعلى 0.1% كان يبلغ 45.8 مليون دولار، وهذا الحد الأدنى قفز اليوم بعد نمو ثروات المجموعة نحو 50% منذ ذلك الحين.

طبعا، هؤلاء الأفراد ليسوا موظفين بأجور تقليدية، بل في الغالب ملاك شبكات أعمال تجارية واسعة، مثل وكالات بيع السيارات، أو ورثة يعيشون على عائدات استثماراتهم.

وفقاً لتحليل أجراه أستاذا الاقتصاد أوين زيدار وإريك زويك لكتابهما "المليونير في كل مكان"، فإن 37% من أفراد هذه النخبة يجنون النصيب الأكبر من دخلهم من الأعمال التجارية والشركات الخاصة، فيما يعتمد 26% منهم أساساً على عوائد الأرباح الرأسمالية، و10% فقط يشكل الراتب أو الأجر المصدر الرئيسي لدخلهم.

يكمن السر الجوهري وراء هذه الفجوة في تركز ملكية الأصول المالية، فالأثرياء يمتلكون الحصة العظمى من الأسهم. وخلال العام المنتهي في 30 يونيو وحده، عندما قفز مؤشر "ستاندرد آند بورز500" بنسبة 21%، تدفق نحو 4 تريليونات دولار من الثروة الجديدة الناتجة عن السوق إلى جيوب هذه الفئة تحديداً.

ثروة النصف الأدنى من المجتمع الأمريكي ضئيلة للغاية

هذه المكاسب الهائلة تجعل ثروة النصف الأدنى من المجتمع الأمريكي مجتمعاً، والبالغة نحو 4 تريليونات دولار، تبدو ضئيلة للغاية. ورغم أن النصف الأدنى سجل أعلى نسبة نمو مئوي بفضل صعود أسعار المنازل وحزم الدعم الحكومي إبان الجائحة، إلا أن حصته من كعكة الثروة الإجمالية لا تتجاوز 2.3%، بمتوسط 63 ألف دولار للأسرة. وبذلك، تمتلك الأسرة الواحدة في قمة الـ 0.1% ما يفوق ثروة أسرة من النصف الأدنى بأكثر من 3 آلاف ضعف!

وعلى سبيل المقارنة، حققت بقية الأسر ضمن أعلى 10% في الولايات المتحدة مكاسب في الثروة بلغت 38.2 تريليون دولار خلال الفترة نفسها، إلا أن هذا المبلغ توزع على عدد من الأسر يفوق عدد أسر أعلى 0.1% بمئة ضعف تقريباً.

يعرف الاحتياطي الفيدرالي صافي الثروة بأنه إجمالي الأصول، بما فيها المنازل والأسهم، مطروحاً منها الالتزامات والديون. وفي ظل ازدهار محافظ الأسهم، يلجأ بعض الأثرياء إلى الاقتراض بضمان أصولهم المتضخمة لتمويل أنماط حياة باذخة، بينما يدفع صعود الأسواق المستثمرين عموماً إلى التوسع في الإنفاق لشعورهم بالأمان المالي، وهو ما يصفه الاقتصاديون بأثر الثروة.

ورغم استفادة ملايين الأمريكيين تاريخياً من ارتفاع الأجور وامتلاك العقارات، فإن التضخم العنيد حرم فئات واسعة من هذا الرخاء وضغط حتى على أصحاب الرواتب المكونة من ستة أرقام. وقد تحول هذا التكدس القياسي للثروات عند القمة إلى بؤرة توتر سياسي متصاعدة في البلاد، مغذياً صعود تيارات يسارية تطالب بإعادة هيكلة السياسات الضريبية وتوزيع المكتسبات الاقتصادية.

منتدى الاقتصادية 2026