كان دخول نادي الأثرياء في الماضي يتطلب مفتاحا ذهبيا يُورث ولا يُكتسب؛ حيث كانت الثروات تُبنى بالذهب والحديد ببطء على مدار عقود، وغالبا ما انحصرت في عائلات أرستقراطية تملك الأرض والنفوذ.
يبدو أن قواعد اللعبة تغيرت في الحاضر، فزمن الوريث المحظوظ انتهى إلى الأبد، ليفسح المجال للمبتكر الذكي؛ فبلوغ الثراء أضحى في متناول كل فرد يستطيع إتقان ريادة الأعمال الرقمية دون أي اعتبار للقيود الجغرافية والمالية التي كانت تعيق هذا الطموح.
اليوم، يمكن لفكرة مبتكرة تنفذ خلف شاشة حاسوب أن تقفز بصاحبها من الصفر إلى قائمة فوربس في سنوات قليلة. فكيف نجح التحول الرقمي في دمقرطة الثروة وتحويل المبتكرين إلى قادة العالم الجدد؟
لم تكن الموهبة كافية لوحدها لضمان ولوج سهل إلى قلعة الأثرياء في الماضي، فالثروة كانت وثيقة الصلة بامتلاك الأصول الصلبة. وعادة ما يبدأ الوريث في عالم الثراء من حيث انتهى أسلافه، بخلاف العصامي "الوافد الجديد" الذي يحتاج عقودا من التراكم البطيء لحجز بطاقة الانتماء لنادي الأثرياء.
معادلة صارت جزءا من التاريخ بفضل التحول الرقمي حطم جذران قلعة الأثرياء ونجح في إحداث شقوق سمح للكثيرين بالدخول. فإطلاق متجر عالمي صار ممكنا من غرفة النوم دون الحاجة إلى ترخيص أو تجهيزات، ومقياس الثروة لم يعد أطنان المواد الخام بل أسطر الشيفرات والخوارزميات.
في العصر الرقمي انتقل رأس المال الحقيقي من الجيوب إلى العقول، وباتت الأفكار العملة الجديدة والمنصات هي العقارات الجديدة، ولم تعد الثروة حكرا على من يملك بل أصحبت لمن يستطيع الابتكار.
لقد بات تحقيق الثراء أسهل من أي وقت مضى خلال الثلاثين عاما الماضية، بحسب توماس درويين؛ الخبير النمساوي في علم الثروات والثراء، فيكفي امتلاك فكرة والإنفاق عليها لجني كثير من العوائد منها، ما يعني أن التحول الرقمي أضفى الطابع الديمقراطي على الثراء.
طبعا الفكرة وحدها لا تكفي، إذ لا بد من الشجاعة والانضباط الشديد لتنفيذها؛ أي الإرادة والهوس لتحويل الأفكار إلى حقيقة على أرض الواقع، وهذا تحديدا ما يميز رواد الأعمال في العصر الرقمي. فهذا الجيل الجديد ـ وعكس سابقه ـ يحدوه نزوع نحو رؤية عالمية في التفكير.
امتد التغيير إلى جوهر المشروع في ذاته، فنمو الثروة في النموذج التقليدي محكوم بقوانين الفيزياء والزمن؛ مضاعفة الإنتاج تحتم زيادة في التكلفة، بخلاف العالم الرقمي حيث قانون "التكلفة الهامشية الصفرية"، حيث تكلفة خدمة العميل الأول نفسها تقريبا بالنسبة للعميل ألف أو مليون.
أتاح التحول الرقمي أيضا إمكانية التحرر من قيد المكان والزمان، فالمتاجر في العالم الرقمي تنفلت من قيود الجغرافيا والزمن، حيث تبيع والناس نيام. ناهيك عن نجاحها في إسقاط حاجز الحدود بفك الارتباط بين الجغرافيا والدخل، فنحن أمام سوق حدودها كوكب الأرض، فبمقدور شاب في قرية نائية أن يبيع برمجياته لشركة في كاليفورنيا أو جوانجزو.
كما عكس بعض القواعد في التقليدية في عالم المال والأعمال، فإذا كانت القيمة تأتي من الندرة (العقارات مثلا)، في مجال الرقميات ترتفع القيمة بكثرة الانتشار والوفرة، هكذا تتدفق الثروة نحو "المجتهد الرقمي" الذي يعمل على تسويق منتجه في العالم، بدلا من انحصارها في عواصم المال التقليدية.
نحج التحول الرقمي في كسر القيود القديمة في مجال الثراء، فالثروة اليوم لم تعد حكرا جينيا يتوارث بل استحقاقا معرفيا بالدرجة الأولى. لم تغير الثورة الرقمية سؤال "كيف" نربح المال فحسب، بل غيرت "من" يربح المال؟ لقد حولت الاقتصاد من "اقتصاد الألقاب" إلى "اقتصاد الأداء".

