السبت, 15 أغسطس 2026|1 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

تستعد الرياض لاستقبال وفد ياباني رفيع المستوى يومي 18 و19 أغسطس، في زيارة تأتي في توقيت تتسارع فيه وتيرة التنسيق السعودي ـ الياباني، ليس على المستوى الدبلوماسي والأمني فحسب، بل في ملفات اقتصادية باتت تتجاوز العلاقة التقليدية القائمة على النفط والسيارات إلى الطاقة النظيفة، والمعادن الحيوية، والتقنيات المتقدمة، والاقتصاد الرقمي وسلاسل الإمداد.

وتكتسب الزيارة أهمية خاصة في ضوء التحول الذي تشهده العلاقات الاقتصادية بين البلدين، إذ تسعى الرياض إلى جذب استثمارات وتقنيات يابانية تدعم التنويع الاقتصادي ضمن «رؤية السعودية 2030»، بينما تنظر طوكيو إلى السعودية باعتبارها شريكاً محورياً في أمن الطاقة ومصدراً مهماً للاستثمارات والفرص في قطاعات المستقبل.

ويأتي ذلك بعد اجتماع رفيع المستوى عُقد في طوكيو في 27 يوليوز بين نائب وزير الخارجية السعودي المهندس وليد الخريجي ونائب وزير الخارجية الياباني هيرويوكي نامازو، أكد خلاله الجانبان توسيع التعاون في السياسة والأمن والطاقة والتقنيات المتقدمة، إلى جانب بحث التطورات في الشرق الأوسط والبحر الأحمر وأهمية خفض التصعيد وضمان حرية وأمان الملاحة في مضيق هرمز.

وتشير البيانات الرسمية اليابانية إلى أن توشيميتسو موتيجي يشغل منصب وزير الخارجية الياباني في 2026، ما يرفع المستوى السياسي للاتصالات المرتقبة بين طوكيو والرياض.

التجارة .. 33.3 مليار دولار تعكس عمق الاعتماد المتبادل

تكشف أحدث بيانات التجارة الكاملة المتاحة لعام 2025 عن حجم اقتصادي كبير بين البلدين. فقد بلغت صادرات اليابان إلى السعودية نحو 7.11 مليار دولار، مقابل واردات يابانية من السعودية بنحو 26.20 مليار دولار، ليصل إجمالي تجارة السلع إلى نحو 33.31 مليار دولار.

وتعكس هذه الأرقام طبيعة العلاقة التجارية بوضوح: السعودية مورد رئيسي للطاقة إلى اليابان، فيما تعتمد السوق السعودية بدرجة كبيرة على المنتجات اليابانية الصناعية، وفي مقدمتها المركبات والمعدات والآلات.

وتظهر بيانات منظمة التجارة الخارجية اليابانية «JETRO» أن واردات اليابان من السعودية في 2025 تركزت بصورة كبيرة في الوقود المعدني؛ إذ بلغت واردات النفط الخام وحده نحو 25.36 مليار دولار، بما يعادل 96.8% من إجمالي الواردات اليابانية من السعودية، بينما بلغت قيمة إجمالي الواردات اليابانية من السعودية نحو 26.20 مليار دولار.

في المقابل، ارتفعت الصادرات اليابانية إلى السعودية إلى نحو 7.11 مليار دولار في 2025، وكان قطاع السيارات هو العنصر الأبرز، إذ بلغت صادرات السيارات اليابانية نحو 5.03 مليار دولار، منها نحو 4.07 مليار دولار للسيارات الخاصة. وتشير بيانات JETRO إلى أن السيارات وحدها شكلت نحو 70.7% من إجمالي الصادرات اليابانية إلى السعودية.

وهذا يعني أن العلاقة التجارية، رغم اتساعها، لا تزال تقوم على معادلة واضحة: الطاقة السعودية في اتجاه اليابان، والسيارات والمعدات والآلات اليابانية في الاتجاه المعاكس.

السيارات .. القطاع التجاري الأكبر للصادرات اليابانية

يظل قطاع السيارات أحد أهم محاور العلاقة الاقتصادية، لكنه بات في الوقت نفسه مدخلاً إلى شراكة صناعية أوسع.

وتشير البيانات الرسمية اليابانية لعام 2025 إلى وصول صادرات السيارات اليابانية إلى السعودية إلى نحو 5.026 مليار دولار، فيما بلغت صادرات سيارات الركاب نحو 4.070 مليار دولار. كما ارتفعت صادرات الحافلات والشاحنات إلى نحو 956 مليون دولار.

أما الرقم المتداول بشأن استيراد السعودية 269,191 سيارة ركوب يابانية بقيمة 4.802 مليار دولار، فيعود إلى 2024 وفق بيانات قاعدة الأمم المتحدة للتجارة الدولية التي يعرضها البنك الدولي، وليس إلى الربع الثاني من 2026. وتظهر البيانات أن السعودية استوردت في 2024 نحو 1.132 مليون سيارة ركوب من مختلف الأسواق، منها 269,191 سيارة من اليابان.

وتكتسب هذه السوق أهمية تتجاوز المبيعات المباشرة، مع اتساع فرص الاستثمار في خدمات ما بعد البيع، وقطع الغيار، وسلاسل التوريد، والتقنيات المرتبطة بالسيارات الكهربائية والقيادة الذاتية.

الطاقة .. السعودية حجر الأساس في أمن الطاقة الياباني

رغم الاتجاه المتسارع نحو تنويع الاقتصاد، تظل الطاقة الملف الأكثر إستراتيجية في العلاقات السعودية ـ اليابانية.

وتؤكد وزارة الخارجية اليابانية أن السعودية توفر نحو 40% من واردات اليابان من النفط الخام، ما يجعل السعودية أحد أهم أعمدة أمن الطاقة الياباني.

ولهذا فإن أمن الملاحة في الخليج والبحر الأحمر لا ينفصل عن الحسابات الاقتصادية للبلدين. فقد أكد موتيجي في اتصال مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في مارس/آذار 2026 أهمية استمرار إمدادات النفط الخام، وتأمين الملاحة في مضيق هرمز، وتعزيز أمن الطاقة.

وفي اتصال آخر في أبريل، أكد الوزيران أهمية أمن الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، باعتبار ذلك جزءاً أساسياً من ضمان إمدادات الطاقة واستقرار الأسواق.

ومن هنا يتوقع أن يحضر ملف الممرات البحرية بقوة في المحادثات المرتقبة، ليس باعتباره ملفاً أمنياً فقط، وإنما باعتباره قضية اقتصادية تمس تكلفة الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة العالمية.

من النفط إلى الهيدروجين والأمونيا

المعادلة الجديدة في الشراكة السعودية ـ اليابانية تقوم على الانتقال التدريجي من تجارة النفط التقليدية إلى بناء سلاسل قيمة في الطاقة الجديدة.

ويشكل الهيدروجين والأمونيا منخفضا الانبعاثات، إلى جانب إعادة تدوير الكربون واحتجاز الكربون، أحد أبرز مسارات التعاون في إطار «رؤية السعودية واليابان 2030» ومبادرة «المنارة» للتعاون في الطاقة النظيفة.

وقد أكدت الحكومتان في أطر التعاون السابقة أهمية بناء سلاسل إمداد عالمية للطاقة النظيفة، بما في ذلك الهيدروجين والأمونيا، والاستفادة من التكنولوجيا اليابانية والموارد والطاقة المتجددة المتاحة في السعودية.

وتكمن أهمية هذا المسار في أن السعودية تمتلك موارد الطاقة والاستثمار والبنية التحتية والموقع الجغرافي، بينما تمتلك اليابان التكنولوجيا والخبرة الصناعية والأسواق المتقدمة، ما يخلق أرضية لشراكات تتجاوز تصدير المواد الخام إلى إنتاج ونقل وتخزين واستخدام الوقود منخفض الكربون.

المعادن الحيوية وسلاسل الإمداد .. ملف صاعد على أجندة الشراكة

من الملفات التي مرشحة للحصول على وزن متزايد في العلاقات الثنائية المعادن الحيوية وسلاسل الإمداد.

فاليابان، التي تعتمد على واردات واسعة من المواد الأولية اللازمة للصناعات المتقدمة، تبحث عن مصادر أكثر تنوعاً واستقراراً للمعادن الإستراتيجية. وفي المقابل، تسعى السعودية إلى توظيف موقعها الجغرافي ومواردها وقدراتها الاستثمارية لتطوير قطاع التعدين وتحويل السعودية إلى مركز صناعي ولوجستي إقليمي.

ومن شأن التعاون في المعادن الحيوية أن يفتح المجال أمام شراكات يابانية في التعدين والمعالجة والتصنيع، بدلاً من الاقتصار على تصدير المواد الخام.

ويتماشى ذلك مع توجهات «رؤية السعودية 2030» ومع رؤية اليابان الرامية إلى بناء سلاسل توريد أكثر مرونة للصناعات المتقدمة.

التقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي .. المرحلة الجديدة من الشراكة

لا يتوقف التحول في العلاقة عند الطاقة. فالتعاون السعودي ـ الياباني يتوسع نحو الذكاء الاصطناعي، والرقمنة، والإلكترونيات، والروبوتات، والفضاء، والتقنيات الصناعية المتقدمة.

وقد أكدت محادثات يوليو/تموز 2026 بين الجانبين إدراج التقنيات المتقدمة والطاقة ضمن المجالات التي تستهدف الدولتان توسيع التعاون فيها.

ويعطي هذا المسار للشركات اليابانية فرصة للاستفادة من المشاريع الكبرى في السعودية، فيما تحصل السعودية على التكنولوجيا والخبرة التشغيلية اللازمة لتوطين قطاعات جديدة.

كما تبرز فرص التعاون في الألعاب والرياضات الإلكترونية وصناعة المحتوى الرقمي والترفيه، وهي قطاعات تتقاطع مع توجهات «رؤية 2030» نحو تنمية الاقتصاد الإبداعي وجذب الاستثمارات الدولية.

الاستثمار الياباني .. من السوق السعودية إلى المنصة الإقليمية

تكشف أرقام الوجود المؤسسي الياباني عن تغير مهم في طبيعة العلاقة. فبحسب JETRO، بلغ عدد مواقع الشركات اليابانية في السعودية 118 موقعاً وفق أحدث إحصائية منشورة تستند إلى بيانات وزارة الخارجية اليابانية في أكتوبر/تشرين الأول 2024.

والأهم أن حضور الشركات اليابانية لم يعد محصوراً في السيارات والطاقة؛ إذ يشمل التصنيع، والآلات، والمواد الكيميائية، والبنية التحتية، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والرعاية الصحية، والخدمات المالية، والبيئة والطاقة النظيفة.

كما أن 18 شركة يابانية كانت قد أنشأت مقرات إقليمية في السعودية بحلول 2025، وفق JETRO، في قطاعات تشمل التصنيع وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والرعاية الصحية.

ويمثل هذا التحول نقطة إستراتيجية مهمة، لأن المقر الإقليمي لا يعني مجرد بيع المنتجات داخل السعودية، بل استخدام الرياض قاعدة لإدارة عمليات الشركات في أسواق الشرق الأوسط.

المقرات الإقليمية .. السعودية تتحول إلى مركز عمليات للشركات اليابانية

يشكل برنامج المقرات الإقليمية أحد أهم العوامل التي يمكن أن تعيد صياغة الوجود الياباني في المملكة.

وتشير JETRO إلى أن النظام دخل مرحلة تشغيل أكثر وضوحاً بعد تطبيق قواعد جديدة للمشتريات الحكومية وتنظيم المعاملة الضريبية للمقرات الإقليمية. كما ارتفع عدد المقرات الإقليمية الأجنبية في السعودية بصورة كبيرة، فيما بلغ عدد الشركات اليابانية التي أنشأت مقرات إقليمية 18 شركة في 2025.

وبذلك تنتقل العلاقة من نموذج «التصدير إلى السعودية» إلى نموذج «الاستثمار من السعودية»، وهو تحول يتسق بصورة مباشرة مع هدف السعودية في جذب الشركات العالمية وتوطين المعرفة والخبرات.

مجلس الشراكة الإستراتيجية .. تحويل التفاهمات إلى مشاريع

تتجاوز أهمية الزيارة المرتقبة مجرد تبادل المواقف السياسية، إذ تأتي ضمن شبكة أوسع من الأطر المؤسسية، أبرزها مجلس الشراكة الإستراتيجية السعودي ـ الياباني.

وقد اتفق البلدان على إنشاء المجلس بهدف تعزيز العلاقات الثنائية بصورة شاملة، بما في ذلك التعاون الاقتصادي وأمن الطاقة والتقنيات الحديثة.

ومن المنتظر أن تركز المرحلة المقبلة على تحويل الأهداف العامة إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، خصوصاً في الطاقة النظيفة، والمعادن الحيوية، والتقنيات المتقدمة، وسلاسل الإمداد.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية