لو قيل لأحد قبل 10 سنوات إن السعودية ستتصدر قوائم الوجهات السياحية العالمية، وتستقبل ما يزيد على 30 مليون سائح أجنبي في عام واحد، لشكك كثيرون في صحة هذا التصريح، غير أن الأرقام اليوم تقول إن ثمة قصة نجاح تكتب بخطوات سريعه في رمال هذه الأرض الواسعة.
قبل إطلاق رؤية 2030، كان النشاط السياحي السعودي محدودا في أغلبه بالحج والعمرة، وكانت التأشيرة السياحية شبه معدومة، والبنية الترفيهية شحيحة.
اليوم، تحتل السعودية المرتبة الرابعة عشرة عالميا في استقبال السياح الدوليين، بعد أن كانت في المرتبة الخامسة والعشرين في 2019، وهو قفز بمراحل في غضون سنوات قليلة نادرا ما يتكرر في تاريخ الاقتصادات الكبرى.
6 محركات رئيسية بنت عصب السياحة السعودية
لا تحدث طفرة سياحية بهذا الحجم بمحض الصدفة، ولا بقرار وزاري وحيد، ما بنته السعودية على مدى سنوات هو منظومة متكاملة من 6 محركات رئيسية تعمل بتناسق، وزارة السياحة بوصفها المرجعية التنظيمية والتشريعية، والهيئة السعودية للسياحة التي تتولى الترويج وبناء المنتج السياحي، وصندوق التنمية السياحي الذراع التمويلية للقطاع الخاص، والهيئة السعودية للبحر الأحمر المشرفة على المشروع السياحي الأضخم في تاريخ السعودية.
فضلا عن برنامج الربط الجوي ومجلس التنمية السياحي اللذين يضمنان تدفق الزوار واتساق التوجه الإستراتيجي، هذه الجهات الست لم تعمل كجزر منعزلة، بل تكاتفت في إطار الإستراتيجية الوطنية للسياحة لتحول الرؤية إلى واقع قابل للقياس.
أول هذه المحركات وأكثرها أثرا في المشهد اليومي كان فتح باب التأشيرة السياحية عام 2019، كخطوة بدت سهلة في ظاهرها، لكنها أحدثت انقلاباً هيكلياً في طبيعة الزوار القادمين إلى السعودية.
قبلها، كان 80% من الوافدين يأتون لأغراض دينية، واليوم باتت هذه النسبة دون 50%، والبقية تأتي للسياحة والترفيه والتراث والفعاليات الرياضية وكذلك الأعمال، ومنذ ذلك الحين توسعت التأشيرة الإلكترونية لتشمل مواطني 66 دولة، ولم يتوقف التوسع.
أما على صعيد المشاريع العملاقة، فقد سابقت السعودية الزمن في تنفيذ منظومة من الوجهات تتنوع بين البحري الفاخر في مشروع البحر الأحمر، والترفيهي في القدية، والتراثي في الدرعية والعلا والمدينة المنورة، والمستقبلي في نيوم وتروجينا.
وجاء إطلاق منصة "روح السعودية" لخدمة هذه الوجهات تسويقيا، إذ تقدم للسائح بوابة رقمية متكاملة تجمع الفعاليات والوجهات والتجارب في مكان واحد.
تريليون ريال إنفاق السياح الأجانب في 10 أعوام
بلغ انفاق السياح الأجانب منذ إطلاق رؤية السعودية نحو تريليون ريال وسط نمو قوي في الإنفاق، ولا سيما الأعوام الثلاثة الماضية، بعدما استمر زخم الإنفاق فوق حاجز 100 مليار سنوي بواقع 141 مليار ريال و 169 مليار و160 مليار على التوالي.
كما بلغ عدد السياح خلال الفترة نحو 178.4 مليون سائح، منها 30 مليون سائح قدمو للمملكة العام الماضي وهو رقم قياسي جديد تسجله السعودية.
وأسهمت التوسعة في منح التأشيرات الإلكترونية في تعزيز هذه الأرقام وتوسيع قاعدة السياح الدوليين، كما تشير البيانات إلى أن السعودية تتسارع في تقلص الفجوة مع الوجهات السياحية التقليدية كفرنسا وإسبانيا وتركيا.
300 مليار إنفاق السياح خلال 2025
يعد تطور الإنفاق السياحي من أبرز المؤشرات التي تُظهر نضج القطاع، إذ سجل الإنفاق على السياحة الداخلية نحو 304 مليار ريال في 2025 بعد أن كان يبلغ 148.8 مليار ريال في 2016، ما يعني معدل نمو سنوي مركب عند 8.2%.
برزت السياحة المحلية (السياح المحليين) بوصفها ركيزة بالغة الأهمية في المشهد السياحي السعودي، وسط تضاعف حجم الإنفاق بنحو مرة ونصف إلى 140.1 مليار ريال بنهاية العام الماضي.
ويبرز هذا النمو المتسارع التوجه الإستراتيجي الرامي إلى تنشيط الاقتصاد الداخلي وتوجيه الإنفاق السياحي السعودي نحو وجهات محلية، مع تنامي الوعي السياحي لدى المواطن والمقيم وتوسع الخيارات والمنشآت الترفيهية في مختلف مناطق السعودية.
أما الإنفاق الوافد (السياح الأجانب) فبلغ 159.9 مليار ريال في 2025، وإن كان أدنى نسبيا من ذروة 168.5 مليار ريال المسجلة في 2024، وفي المحصلة، ارتفع إجمالي الإنفاق السياحي (محلي + وافد على الداخلية) إلى ما يتجاوز 300 مليار ريال وهو رقم قياسي جديد.

تريليون ريال إنفاق السياح الأجانب في السعودية خلال 10 أعوام-02
26 % من السياح الأجانب قدموا لـ "الترفيه"
تحول الترفيه إلى رافد إستراتيجي للسياحة السعودية، إذ أسهمت المواسم الترفيهية كموسم الرياض وموسم جدة في استقطاب ملايين الزوار سنويا.
أدى ذلك إلى تحول في هيكلة السياح القادمين للسعودية، إذ يمثل 26% من السياح الوافدين للسعودية قدمو لأجل "الترفية" مقارنة بنحو 9% في 2021
سجل موسم الرياض 2025 أكثر من 17 مليون زائر، وشاركت فيه أكثر من 2100 شركة بنسبة سعودة 95%، كما باتت السعودية وجهة لكبرى البطولات الرياضية العالمية كبطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية التي استضافت نسختها الثانية في الرياض عام 2025 بأكثر من 3 ملايين زائر وأكثر من 750 مليون مشاهدة إلكترونية.

ارتفاع حصة السياح الوافدين للسعودية لغرض الترفية-02
4 رهانات كبرى غيرت قواعد اللعبة
4 رهانات كبرى غيرت قواعد اللعبة في المنطقة، أولها البحر الأحمر، الرهان البيئي الفاخر، حين أُعلن عن مشروع البحر الأحمر للمرة الأولى، وصفه بعضهم بالحلم البعيد، اليوم، يقف المنتجع الفاخر "شيبارة" على جزيرة شورى وقد اختارته مجلة "تايم" ضمن أعظم الأماكن في العالم لعام 2025.
ومعه فتح فندق "ريتز كارلتون ريزيرف" الأول من نوعه في المنطقة، وسجلت مبيعات سكنية بقيمة ملياري ريال، واستقبل أكثر من 50 ألف سائح في المشروع الذي لم يبلغ نضجه الكامل بعد.
العلا والدرعية الرهان الآخر، وهو رهان متعلق بالهوية التي تخدم الاقتصاد، العلا لا تبيع الطبيعة وحسها، بل تبيع عمق الهوية الإنسانية في هذه الأرض.
موقع مدرج في قائمة اليونسكو للتراث العالمي، ومطار دولي وسعت طاقته الاستيعابية بـ700 ألف راكب إضافي، وجوائز دولية تتراكم عاما بعد عام.
أما الدرعية وهي مهد التاريخ السعودي ومعها بدأ التأسيس، فتقدم نموذجا مختلفا، مدينة تاريخية تعاد ولادتها دون أن تفقد روحها، حائزة جائزة أفضل وجهة للفعاليات في الشرق الأوسط، وتضم موقعا للتراث العالمي ضمن قائمة اليونسكو.
الأحداث الكبرى الرهان الثالث، حيث الاقتصاد يتبع الحدث، في 2025 وحده، فازت السعودية باستضافة كأس العالم لكرة القدم 2034، واستقبلت النسخة الثانية من بطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية التي حضرها 3 ملايين زائر وتابعها 750 مليون مشاهد حول العالم، كل حدث يجلب موجة من الزوار، والزوار يجلبون الإنفاق، والإنفاق يعزز البنية التحتية لاستقبال مزيد.
إكسبو الرياض 2030 الرهان الأكبر، أنجزت السعودية ملف الاستضافة رسميا لتصبح الرياض كبرى مدن المعارض في تاريخها، بنحو 195 دولة، ومساحة 6 ملايين متر مربع، ونحو 42 مليون زيارة متوقعة بين أكتوبر 2030 ومارس 2031،
أعظم ما في الأمر أن المشروع لن ينتهي مع إسدال ستار المعرض، بل ستتحول أرضه إلى قرية عالمية ليمثل نموذجا للسياحة المستدامة.

