الخميس, 20 أغسطس 2026|6 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

برز التمويل الجماعي بالدين في السوق السعودية خلال السنوات الأخيرة كأحد نماذج التمويل الحديثة التي تستهدف توسيع خيارات المنشآت، ولا سيما الصغيرة والمتوسطة، وفتح قناة استثمارية جديدة أمام الأفراد والمؤسسات.

وبينما أسهم النشاط في سد جانب من الفجوة التمويلية وتسريع وصول الشركات إلى السيولة، تبرز في المقابل مخاطر مرتبطة بالتعثر والائتمان والسيولة، تجعل سلامة القطاع مرتبطة بمدى قوة الرقابة وجودة الإفصاح وكفاءة إدارة المخاطر، بحسب مختصين تحدثوا لـ"الاقتصادية".

وفي هذا السياق، شدد البنك المركزي السعودي "ساما" على شركات التمويل الجماعي بالدين بضرورة الحصول على إقرار من المتعاملين يتضمن علمهم بالمخاطر المرتبطة بالنشاط قبل استخدام المنصة، إلى جانب توضيح طبيعة الأعمال المقدمة ونشر المعلومات التوعوية والمخاطر الناتجة عن المشاركة في التمويل الجماعي بالدين.

وتعكس هذه المتطلبات حقيقة أساسية في النشاط: المنصة لا تلغي مخاطر الائتمان، وإنما توفر إطاراً منظماً لتوجيه التمويل وإدارته، فيما يبقى احتمال التعثر قائماً.

يتمثل جوهر التمويل الجماعي بالدين في إتاحة حصول المنشآت على التمويل من مجموعة من المستثمرين عبر منصات إلكترونية مرخصة، بدلاً من الاعتماد حصراً على البنوك وشركات التمويل التقليدية.

وتمنح هذه الآلية الشركات مرونة أكبر في الوصول إلى التمويل، لكنها تنقل جزءاً من مخاطر الائتمان بصورة مباشرة إلى المستثمرين، ما يجعل تقييم الجدارة الائتمانية للمقترضين عاملاً حاسماً في استدامة النشاط.

يرى مختصون أن صعود التمويل الجماعي بالدين يرتبط بصورة مباشرة بالتغيرات التي شهدها سوق التمويل السعودي، مع ارتفاع الطلب على الائتمان من الأفراد والشركات، وتوسع تمويل المشاريع الكبرى، بالتزامن مع تنامي احتياجات المنشآت إلى رأس المال العامل والتمويل طويل الأجل.

فجوة تمويلية تفتح الباب أمام نموذج جديد

في هذا السياق، قال لـ "الاقتصادية" حسن الرقيب مؤسس مركز زاد للاستشارات، "إن منصات التمويل الجماعي بالدين تمثل قناة تمويل حديثة وواعدة لكنها قد تتحول إلى مصدر مخاطر مرتفعة إذا توسعت دون ضوابط ائتمانية وإفصاحات كافية خصوصاً عند تمويل منشآت صغيرة تعاني ضعف التدفقات النقدية أو ارتفاع المديونية".

وأضاف، "تتمثل أبرز المخاطر في تعثر المقترضين، وسوء تسعير المخاطر، والمبالغة في عرض العوائد، وتركيز المحافظ في قطاعات محددة، إضافة إلى اندفاع بعض المستثمرين خلف العائد المرتفع دون تقدير احتمالات الخسارة أو تأخر السداد".

كما أن اتساع التعثر قد يضعف ثقة المتعاملين بالمنصات ويؤثر في قدرتها على جذب سيولة جديدة، لكنه في الوقت الحالي لا يمثل خطراً نظامياً على السوق ما دامت أحجامه محدودة وخاضعة للرقابة، وتفسر هذه الجوانب تحذيرات بعض بيوت الخبرة، خصوصاً مع تفاوت جودة التقييم الائتماني بين منصة وأخرى.

سد فجوة تمويلية لا تغطيها البنوك

في الجانب الإيجابي أوضح حسن الرقيب أن المنصات تسهم في سد فجوة تمويلية لا تغطيها البنوك بالكامل ودعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة وتسريع الدورة التجارية، وزيادة المنافسة والابتكار في قطاع التمويل، وتوفير بدائل استثمارية جديدة. ويبقى نجاحها مشروطاً بقوة الرقابة وشفافية الإفصاح، وتنويع المحافظ، ورفع وعي المستثمرين.

من جهته، قال سعود المهنا الرئيس التنفيذي للاستثمار في شركة "صكوك المالية"، "إن سوق التمويل الجماعي بالدين في السعودية بدأ في أواخر 2020، من خلال مبادرات ومنتجات أطلقتها هيئة السوق المالية والبنك المركزي السعودي بالتعاون مع برنامج تطوير القطاع المالي، بهدف ابتكار نماذج تقنية جديدة في قطاع التمويل".

وأضاف أن "الطلب على هذا النوع من التمويل شهد نمواً ملحوظاً منذ نشأة السوق"، مشيراً إلى أن عدد الشركات الراغبة في الحصول على تمويل من خلال صكوك المالية تجاوز 22 ألف شركة سعودية، وهو ما يعكس، بحسب وصفه، حجم الطلب على المنتج رغم حداثة السوق.

وأوضح أن نمو الطلب لا يرتبط فقط بصعوبة حصول الشركات على التمويل المصرفي، بل أيضاً بسرعة الإجراءات ومرونة الهيكلة، إذ يمكن تصميم التمويل من حيث مدة السداد وطريقته بما يتناسب مع التدفقات النقدية وطبيعة النشاط.

التمويل الجماعي.. بديل أم مكمل للبنوك؟

يذهب الاعتقاد لدى البعض إلى أن الشركات التي تلجأ إلى منصات التمويل الجماعي بالدين هي بالضرورة شركات عاجزة عن الحصول على تمويل مصرفي. إلا أن بيانات صكوك المالية، بحسب المهنا، تشير إلى صورة مختلفة؛ إذ تجاوزت نسبة الشركات التي تم تمويلها ولديها خطوط ائتمانية قائمة لدى البنوك 87%.

ويعني ذلك أن التمويل الجماعي بالدين لا يعمل بالضرورة بديلاً مباشراً للتمويل المصرفي، بل يمكن أن يكون قناة مكملة له، خصوصاً للشركات التي تبحث عن سرعة أكبر في الحصول على التمويل أو مرونة في هيكلة السداد.

وهنا تبرز أهمية النشاط اقتصادياً، إذ يوسع قاعدة مصادر التمويل المتاحة أمام الشركات، ويقلل اعتمادها على قناة تمويل واحدة، بما يدعم قدرتها على تنفيذ خطط التوسع والاستثمار.

أين يذهب التمويل؟ العقار والصناعة والصحة والتعليم في المقدمة

لا يقتصر استخدام التمويل الجماعي بالدين على المصاريف التشغيلية، بل يمتد إلى تمويل النفقات الرأسمالية ومشاريع التوسع، بما في ذلك المشاريع العقارية والصناعية والتعليمية والصحية.

وبحسب محفظة صكوك المالية التمويلية التي عرضها المهنا، استحوذت المشاريع العقارية المدعومة بالرهن على 36% من المحفظة التمويلية، بينما حصلت الشركات الصناعية على 20%، وبلغت حصة الشركات التعليمية والصحية الموجهة للتوسع نحو 15%.

وتكشف هذه التركيبة عن قدرة التمويل الجماعي بالدين على الوصول إلى قطاعات إنتاجية تتطلب تمويلاً لتوسيع الطاقة التشغيلية، سواء من خلال زيادة الطاقة الاستيعابية للمنشآت التعليمية، أو الطاقة السريرية للمستشفيات، أو الطاقة الإنتاجية للمصانع.

وبالتالي، لا يقتصر الأثر الاقتصادي للنشاط على توفير السيولة للشركات، بل يمتد إلى تمويل أصول ومشروعات جديدة يمكن أن تزيد الإنتاج والتوظيف والنشاط الاقتصادي.

في المقابل، فإن اتساع النشاط يفرض سؤالاً أساسياً حول المخاطر التي يتحملها المستثمر.

المستثمر يتحمل مخاطر الائتمان والسيولة

من جهته، قال أحمد الضعيان، محلل مالي، "إن التمويل الجماعي بالدين يوسع خيارات التمويل أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة، ويقلل اعتمادها الكامل على التمويل البنكي، إلا أن تكلفة التمويل قد تكون أعلى، كما قد تكون مدة السداد أقصر، وهو ما يفرض ضغوطاً إضافية على التدفقات النقدية للشركة".

وأوضح أن المستثمر يتحمل مخاطر مهمة، أبرزها تعثر المقترض وعدم السداد في الموعد المحدد، بما قد يؤخر استرداد أمواله، فضلاً عن محدودية قدرته على تسييل الاستثمار أو تداول أداة الدين قبل انتهاء مدتها.

وأشار إلى أن بعض الشركات قد تتجه إلى المنصات بعد مواجهة صعوبات في الحصول على التمويل التقليدي، ما قد يرفع مستوى المخاطر إذا لم تجر دراسة قدرتها على السداد بصورة دقيقة.

وبذلك، فإن ارتفاع العائد المحتمل لا ينبغي أن ينظر إليه بمعزل عن مستوى المخاطر، فكلما ارتفع العائد المتوقع، يصبح من الضروري للمستثمر فحص الجدارة الائتمانية للمقترض والضمانات وهيكل التمويل ومدته قبل اتخاذ القرار.

الضمانات والإفصاح.. خط الدفاع الأول

تتوقف سلامة التمويل الجماعي بالدين بدرجة كبيرة على جودة البنية الرقابية المحيطة بالنشاط. فارتفاع معدلات التعثر، في حال حدوثه بصورة واسعة، قد لا يقتصر أثره على المستثمرين المتعثرين، بل يمكن أن يمتد إلى ثقة السوق وقدرة المنصات على جذب سيولة جديدة.

ولهذا، تصبح جودة التقييم الائتماني والإفصاح عن المخاطر والضمانات وبيانات المقترضين من أهم عناصر حماية المستثمرين.

التنويع.. وسيلة المستثمر لتقليص أثر التعثر

يرى المهنا أن إدارة المخاطر لا تعني الابتعاد عن التمويل الجماعي بالدين، بل التعامل معه باعتباره فئة أصول تحتاج إلى إدارة وتنويع.

ويعد توزيع الاستثمارات على عدد أكبر من الشركات والقطاعات إحدى أهم الأدوات لتقليص أثر تعثر أي منشأة منفردة. فتركيز كامل المحفظة في شركة واحدة أو قطاع واحد يرفع حساسية المستثمر تجاه أي صدمة، بينما يتيح التنويع امتصاص حالات التعثر الفردية دون أن تتحول إلى خسارة جوهرية للمحفظة.

ومن الناحية الاقتصادية، يساعد التنويع كذلك على توزيع السيولة بين قطاعات مختلفة، بما يقلل المخاطر المرتبطة بالدورات الاقتصادية الخاصة بكل نشاط.

التمويل الجماعي بالدين.. من أداة بديلة إلى قناة تمويل متنامية

المؤشرات التي يعرضها العاملون في السوق تشير إلى أن التمويل الجماعي بالدين تجاوز مرحلة كونه تجربة تمويلية محدودة، وأصبح جزءاً من منظومة أوسع لتنويع مصادر التمويل في السعودية.

ويقول المهنا "إن هذا التمويل تحول من أداة بديلة إلى ركيزة أساسية للنمو، في ظل الضغوط المتزايدة على قنوات التمويل التقليدية وارتفاع احتياجات الشركات".

كما أتاح النشاط، بحسب وصفه، دخول المستثمرين الأفراد والمؤهلين والمؤسسات المالية والشركات العائلية والاستثمارية إلى فئة أصول لم تكن متاحة على نطاق واسع سابقاً، ما أسهم في توسيع قاعدة المستثمرين وتنويع خيارات الاستثمار.

المعادلة الاقتصادية: تمويل أسرع مقابل مخاطر أعلى

في المحصلة، يصعب تصنيف التمويل الجماعي بالدين باعتباره نشاطاً آمناً بصورة مطلقة أو نشاطاً خطراً بطبيعته. فمستوى الأمان يتحدد بدرجة كبيرة بجودة المقترض، ونوعية الضمانات، ودقة التسعير الائتماني، ومستوى الإفصاح، وقوة الرقابة، وقدرة المستثمر على توزيع مخاطره.

اقتصادياً، يوفر النشاط ميزة واضحة تتمثل في ضخ التمويل إلى شركات ومشاريع قد تحتاج إلى سرعة ومرونة أكبر في الوصول إلى السيولة، ويفتح في الوقت نفسه أمام المستثمرين فئة أصول جديدة. لكن هذه المزايا تأتي مقابل مخاطر ائتمانية وسيولية لا يمكن تجاهلها.

ويظل نجاح التجربة مرتبطاً بقدرتها على تحقيق توازن دقيق: تمويل الشركات بكفاءة من جهة، وحماية المستثمرين والحفاظ على الثقة والاستقرار من جهة أخرى. وكلما توسع السوق، أصبحت جودة الرقابة والإفصاح وإدارة المخاطر أكثر أهمية من مجرد نمو حجم التمويل.

غياب بيانات التعثر يترك فجوة في تقييم السوق

تواصلت صحيفة "الاقتصادية" مع البنك المركزي السعودي "ساما" لمعرفة أعداد الشركات المتعثرة والعاملين في نشاط التمويل الجماعي بالدين، إلا أن البنك لم يتجاوب مع استفسارات الصحيفة حتى إعداد ونشر هذا التقرير.

ويمثل توافر بيانات دورية وشفافة حول معدلات التعثر، وحجم التمويل، ونسب الاسترداد، ومتوسط آجال التمويل، وتوزيع المخاطر بحسب القطاعات، عنصراً مهماً لتقييم أداء السوق بصورة أكثر دقة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية