الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الجمعة, 5 يونيو 2026 | 19 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

ماسك يجمع أموال المستثمرين من طرح SpaceX .. من دون منحهم حق مساءلته

أحمد الرشيد
أحمد الرشيد من الرياض
الجمعة 5 يونيو 2026 13:8 |5 دقائق قراءة
ماسك يجمع أموال المستثمرين من طرح SpaceX .. من دون منحهم حق مساءلته

في اختبار واسع لثقة السوق باسم إيلون ماسك، تمضي SpaceX نحو طرح عام لا يقدّم للمستثمرين شركة صواريخ فحسب، بل سردية مستقبلية تمتد من الإطلاق الفضائي وStarlink إلى الذكاء الاصطناعي والحوسبة المدارية وربما اقتصاد المريخ. وتعرض الشركة 555.6 مليون سهم بسعر متوقع 135 دولارا للسهم، بما يعني متحصلات إجمالية تقارب 75 مليار دولار، أو نحو 86.25 مليار دولار إذا مورس خيار التخصيص الإضافي بالكامل. ووفق وثائق الطرح، تعادل هذه الشروط قيمة سوقية تقارب 1.76 تريليون دولار، ما يجعل الصفقة مرشحة لأن تكون من أكبر الطروحات العامة في تاريخ الأسواق.

غير أن جوهر الصفقة لا يقف عند حجم الأموال أو مستوى التقييم. فالشركة تعرض على المستثمرين المشاركة الاقتصادية في واحدة من أكثر القصص طموحًا في الأسواق، من دون منحهم نفوذا موازيا في القرار. بهذا المعنى، لا يطرح ماسك SpaceX في السوق بقدر ما يختبر قدرة اسمه وسجله على جمع رأسمال قياسي لتمويل رهانات كبرى في Starship وStarlink وxAI، مع احتفاظه بالسيطرة الفعلية على مسار الشركة.

اكتتاب يقوم على معادلة غير متوازنة

تقدم SpaceX اكتتابها العام بوصفها قصة نمو كبرى، لكنها تقوم على معادلة حوكمة غير متوازنة مستثمرون يضخون أموالا جديدة في شركة يقودها ماسك، من دون امتلاك أدوات رقابية مؤثرة في إدارتها. فمتحصلات الطرح لن توجه إلى مشروع واحد محدد أو وفق نسب إنفاق تفصيلية، بل إلى إستراتيجية واسعة تشمل توسيع بنية الذكاء الاصطناعي المرتبطة بـ xAI وGrok، وتطوير Starship وبنية الإطلاق، وزيادة حجم وسعة Starlink وخدمات الاتصال المستقبلية، مع استخدام المتبقي لأغراض عامة.

وتشير وثائق الطرح إلى أن الإدارة ستحتفظ بمرونة واسعة في تحديد الاستخدام الفعلي للأموال، بسبب صعوبة التنبؤ بدقة بحجم الإنفاق المطلوب لكل محور. هذه المرونة تمنح الإدارة مساحة تشغيلية كبيرة، لكنها في الوقت نفسه تضع المستثمرين أمام درجة مرتفعة من عدم اليقين بشأن أولويات تخصيص رأس المال بعد الاكتتاب.

إستراتيجية نمو مترابطة

لا تقوم قصة SpaceX على نشاط منفصل، بل على تكامل بين 3 طبقات: الفضاء، والاتصالات، والذكاء الاصطناعي. فالرهان الأساسي أن الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، ثم Starship، ستخفض تكلفة الوصول إلى المدار، بما يسمح بتوسيع شبكة Starlink، ثم تحويل هذه البنية الفضائية إلى منصة أوسع لخدمات الاتصال والحوسبة والذكاء الاصطناعي.

لذلك، لا تريد الشركة أن تُقيّم كشركة إطلاق صواريخ فقط، ولا كمزود إنترنت فضائي فقط، بل كمنصة بنية تحتية مستقبلية تربط المدار بالأرض وبالذكاء الاصطناعي. هذه الرؤية تمنح الطرح جاذبيته، لكنها تجعل التقييم معتمدًا بدرجة كبيرة على تحقق افتراضات طويلة الأجل لم تثبت كلها تجاريا بعد.

كل رهان يعتمد على الآخر

مصدر الجاذبية هو نفسه مصدر المخاطرة. فإذا تأخر Starship، قد تتأثر قدرة الشركة في نشر أقمار إضافية وتوسيع الخدمات الجديدة. وإذا تباطأ نمو Starlink، يضعف المحرك النقدي الأوضح في نموذج الأعمال. وإذا استمر الذكاء الاصطناعي في استهلاك رأس المال من دون مسار ربحية واضح، تصبح الرواية الاستثمارية أكثر تكلفة وتعقيدا.

من هذا المنظور، لا يمول المكتتبون توسعا تقليديا في نشاط مستقر، بل سلسلة مترابطة من الرهانات. نجاح كل محور يعزز الآخر، لكن تعثر أحدها قد يضغط على المنظومة كاملة. وهذا ما يجعل الطرح أقرب إلى تمويل رؤية مستقبلية لماسك، لا مجرد شراء حصة في شركة ذات نموذج أعمال ناضج.

ملكية اقتصادية بلا نفوذ موازٍ

في المقابل، لا تمنح بنية الأسهم المستثمرين الجدد قوة تصويتية تتناسب مع الأموال التي سيضخونها. فالمكتتبون سيشترون أسهم فئة "أ"، التي تمنح صوتا واحدا للسهم، بينما يحتفظ ماسك ومساهمون محددون بأسهم فئة "ب"، التي تمنح 10 أصوات للسهم وتتيح لحملتها انتخاب 51% من مجلس الإدارة.

وبحسب وثائق الطرح، سيملك ماسك بعد الاكتتاب نحو 11.3% من أسهم من فئة "أ" و5.57 مليار سهم من فئة "ب"، بما يمنحه 84.4% من القوة التصويتية المتعلقة بانتخاب المديرين، ويؤهل الشركة لتصنيفها كشركة "خاضعة للسيطرة" وفق قواعد ناسداك. النتيجة أن المستثمر العام يدخل في العائد والمخاطرة، لكنه لا يدخل فعليًا في القرار.

تحصين موقع ماسك

ولا تتوقف الحماية عند التصويت. فالنشرة الحديثة تجعل موقع ماسك داخل الشركة محصنا بدرجة استثنائية إذ لا يمكن عزله من مجلس الإدارة أو من منصبي الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس الإدارة إلا بموافقة أغلبية القوة التصويتية لأسهم فئة "ب" كفئة مستقلة. ما دام ماسك يحتفظ بأغلبية القوة التصويتية، تصبح إزالته عملياً شبه مستحيلة من دون موافقته.

هذه ليست تفصيلة قانونية هامشية، بل جوهر الحوكمة في الصفقة المستثمرون يمولون الشركة، لكنهم لا يملكون أدوات فعلية لتغيير قيادتها إذا اختلفوا مع قراراتها أو وتيرة تنفيذها أو أولوياتها الرأسمالية.

تعويضات ضخمة مرتبطة بالرهانات الكبرى

تزداد حساسية المعادلة عند ربطها بخطة التعويضات. فوفق النشرة، وافق مجلس الإدارة في يناير 2026 على منح ماسك مليار سهم مقيّد من فئة "ب" قائم على الأداء، يستحق عبر شرائح مرتبطة ببلوغ الشركة مستويات ضخمة من القيمة السوقية، وصولا إلى 7.5 تريليون دولار، إلى جانب شرط إنشاء مستعمرة بشرية دائمة على المريخ تضم مليون شخص.

كما استُبدلت مكافآت مرتبطة بـ xAI بمنحة أخرى قدرها 302.1 مليون سهم مقيّد من فئة "ب"، مشروطة بتحقيق مستويات إضافية من القيمة السوقية وإنجاز مراكز بيانات خارج الأرض بطاقة حوسبة هائلة. وبذلك لا يحتفظ ماسك بالسيطرة بعد جمع الأموال فقط، بل يقف أيضًا أمام فرصة تعويضات ضخمة إذا نجحت الأهداف التي سيمولها جزئيًا المكتتبون الجدد.

نمو الإيرادات لا يحسم سؤال الربحية

ماليًا، تكشف الأرقام حجم الرهان. فقد رفعت SpaceX إيراداتها في 2025 إلى 18.7 مليار دولار، لكن التكاليف والمصروفات ارتفعت بوتيرة أسرع إلى 21.3 مليار دولار، خصوصًا مع قفزة البحث والتطوير المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وStarship. ونتيجة لذلك، تحولت الشركة من صافي ربح قدره 791 مليون دولار في 2024 إلى صافي خسارة قدرها 4.9 مليار دولار في 2025.

ويبدو Starlink محرك الإيرادات الأكثر وضوحًا داخل المجموعة، غير أن أثره لا يزال معرضا للضغط بفعل كلفة التوسع في الذكاء الاصطناعي والفضاء. لذلك، لا يبيع الاكتتاب للمستثمرين شركة مستقرة الربحية بقدر ما يبيعهم فرضية مفادها أن رهانات ماسك المقبلة ستنجح بالسرعة والحجم الكافيين لتبرير هذا التقييم.

"ماسك" يراهن على ثقة السوق في اسمه وسجله أكثر مما يراهن على منح المستثمرين حقوقا رقابية مؤثرة. فإذا نجحت Starship، وواصلت Starlink النمو، وتحولت xAI والحوسبة المدارية إلى أعمال ذات جدوى اقتصادية، فسيكون "ايلون" المستفيد الأكبر، يحتفظ بالسيطرة، ويحصل على تعويضات ضخمة، ويقود شركة أعلى قيمة.

أما المكتتبون الجدد، فسيمتلكون التعرض الاقتصادي لهذه القصة، لكن بشروط واضحة، تمويل الطموح، قبول المخاطر، والتنازل عمليا عن القدرة على توجيه الشركة.

وما يجب مراقبته بعد الطرح هو وتيرة تنفيذ Starship، ونمو Starlink النقدي، وحجم إنفاق الذكاء الاصطناعي، وقدرة الشركة على تحويل رؤيتها المتكاملة إلى أرباح مستدامة، لا مجرد توسع رأسمالي واسع.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية